فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 410

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ [1] :

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا اعْتِبَارًا بِالْمَصْلَحَةِ لِئَلَّا يَنْشَأَ الصَّغِيرُ عَلَى تَرْكِهَا , فَيَظُنَّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ كَمَا تَسْقُطُ بِنُقْصَانِهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْرِهِمْ بِهَا , لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى اعْتِقَادِهِ , وَلَا يَقُودُهُمْ إلَى مَذْهَبِهِ , وَلَا أَنْ يَأْخُذَهُمْ فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِ مَعَ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ , وَأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ يَمْنَعُ مِنْ إجْزَاءِ الْجُمُعَةِ.

الْمِثَالُ الثَّانِي: صَلَاةُ الْعِيدِ وَهَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ , أَوْ مِنْ الْحُقُوقِ الْجَائِزَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: مَنْ قَالَ إنَّهَا مَسْنُونَةٌ قَالَ: يُنْدَبُ الْأَمْرُ بِهَا , وَمَنْ قَالَ إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ قَالَ: الْأَمْرُ بِهَا يَكُونُ حَتْمًا [2] .

الْمِثَالُ الثَّالِثُ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ [3] : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِقَامَةُ الْأَذَانِ فِيهَا لِلصَّلَوَاتِ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ , وَعَلَامَاتِ مُتَعَبَّدَاتِهِ الَّتِي فَرَّقَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الشِّرْكِ , فَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ مَحَلَّةٍ أَوْ بَلَدٍ عَلَى تَعْطِيلِ الْجَمَاعَاتِ فِي مَسَاجِدِهِمْ , وَتَرْكِ الْأَذَانِ فِي أَوْقَاتِ صَلَوَاتِهِمْ , كَانَ الْمُحْتَسِبُ مَنْدُوبًا إلَى أَمْرِهِمْ بِالْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ , وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ , أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ , عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي اتِّفَاقِ أَهْلِ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ , وَهَلْ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ مُحَارَبَتُهُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ [4] .

فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِصَلَاتِهِ , فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ عَادَةً وَإِلْفًا , لِأَنَّهَا مِنْ النَّدْبِ الَّذِي يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ , إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ اسْتِرَابَةٌ , أَوْ يَجْعَلَهُ إلْفًا وَعَادَةً وَيَخَافُ تَعَدِّيَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ , فَيُرَاعِي حُكْمَ الْمَصْلَحَةِ بِهِ فِي زَجْرِهِ عَمَّا اسْتَهَانَ بِهِ مِنْ سُنَنِ عِبَادَتِهِ , وَيَكُونُ وَعِيدُهُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ , كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِى أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِى بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ عَلَى مَنْ فِيهَا» [5] .

(1) - الموافقات في أصول الشريعة - (ج 2 / ص 409) والأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 493)

(2) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6050) والموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6156) والأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 493)

(3) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6051) والأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 494)

(4) - الأحكام السلطانية - (ج 1 / ص 494) ومعالم القربة في طلب الحسبة - (ج 1 / ص 26)

(5) - صحيح مسلم برقم (1515)

وفي شرح ابن بطال - (ج 3 / ص 341)

وقوله: «لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب ... » ،دليل على تأكيد الجماعة، وعظيم أمرها، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات بقوله: {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] ، ومن تمام محافظتها صلاتها في جماعة.

وأجمع الفقهاء أن الجماعة في الصلوات سنة إلا أهل الظاهر، فإنها عندهم فريضة، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: هى كل صلاة.

واختلفوا في الصلاة التى هم النبى عليه السلام، بأن يأمر فيحطب فيحرق رجلٌ من تخلف عنها، فقالت طائفة: هى صلاة العشاء، واحتجوا بما رواه ابن وهب، عن ابن أبى ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: «لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم» ،ويشهد لهذا القول قوله: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، لشهد العشاء» ،هذا قول سعيد بن المسيب، وقال آخرون: هى الجمعة، رواه أبو إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبى - صلى الله عليه وسلم -،قال: «هى الجمعة» ،وهو قول الحسن البصرى، وقاله يحيى بن معين: أن الحديث في الإحراق على من تخلف عن الرسول: يوم الجمعة لا في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت