الْخَامِسُ: إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ أَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَأَرَادَ الِاقْتِصَاصَ , فَلِلْفَاسِقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْقَتْلِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ [1] .
السَّادِسُ: ضَرْبُ الْبَهَائِمِ فِي التَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّرَاسِ وَالْجِمَاحِ , وَكَذَلِكَ ضَرْبُهَا حَمْلًا عَلَى الْإِسْرَاعِ لِمَسِّ الْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالْقِتَالِ [2] .
وَلَا يَقْتَصِرُ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكَبِيرَةِ , بَلْ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ الصَّغَائِرِ أَيْضًا [3] .
(الشَّرْطُ الثَّانِي) :أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ [4] .
29 -أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُسْتَمِرًّا عَلَى فِعْلِ الْمُنْكَرِ , فَإِنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ تَرْكُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْفِعْلِ لَمْ يَجُزْ إنْكَارُ مَا وَقَعَ عَلَى الْفِعْلِ , وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْحِسْبَةِ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ , وَاحْتِرَازٌ عَمَّا سَيُوجَدُ , كَمَنْ يَعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الشُّرْبِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا حِسْبَةَ عَلَيْهِ إلَّا بِالْوَعْظِ , وَإِنْ أَنْكَرَ عَزْمَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَعْظُهُ أَيْضًا , فَإِنَّ فِيهِ إسَاءَةَ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِ , وَرُبَّمَا صُدِّقَ فِي قَوْلِهِ , وَرُبَّمَا لَا يُقْدِمُ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لِعَائِقٍ , وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَانِ [5] :
الْحَالَةُ الْأُولَى: الْإِصْرَارُ عَلَى فِعْلِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ تَوْبَةٍ فَهَذَا يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَفِي رَفْعِهِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَعَلَى سُقُوطِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ وَعَدَمِهِ , أَمَّا عَنْ وُجُوبِ السَّتْرِ وَاسْتِحْبَابِهِ فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ أَقَاوِيلَ نُوجِزُهَا فِي الْآتِي:
ذَهَبَ الْأَحْنَافُ إلَى أَنَّ الشَّاهِدَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ (أَسْبَابُ الْحُدُودِ) مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ [6] . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { .. وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ .. } (2) سورة الطلاق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ" [7] .
(1) - الذخيرة في الفقه المالكي للقرافي - (ج 12 / ص 84) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 1 / ص 226)
(2) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 1 / ص 226)
(3) - الإحياء 2/ 414
(4) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6058) والموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 14545) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 12 / ص 478)
(5) - الآداب الشرعية 1/ 292 و غذاء الألباب 1/ 226
(6) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 14 / ص 379) والعناية شرح الهداية - (ج 10 / ص 376)
(7) - مصنف عبد الرزاق برقم (18934) وهو صحيح
وفي صحيح مسلم برقم (6759) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِى الدُّنْيَا إِلاَّ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .