فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 410

إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا» [1]

وَنَوْعٌ مَحْمُودٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَصَالِحِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظُّنُونِ الْمَضْبُوطَةِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَذَا النَّوْعِ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحَ كَثِيرَةٍ غَالِبَةٍ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ مَفَاسِدَ قَلِيلَةٍ نَادِرَةٍ [2] وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ حِكْمَةِ الْإِلَهِ الَّذِي شَرَعَ الشَّرَائِعَ لِأَجْلِهَا [3] وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ فِي مِثْلِ الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ [4] :

الْأُولَى: لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَسْلُبَ ثِيَابَ إنْسَانٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ يَدِ الْمَسْلُوبِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ امْرَأَةً إلَى مَنْزِلِهِ يَزْعُمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَهِيَ تُنْكِرُ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَقْتُلُ إنْسَانًا يَزْعُمُ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ دَخَلَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ , لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ , لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ حُنَفَاءَ , وَالدَّارُ دَالَّةٌ عَلَى إسْلَامِ أَهْلِهَا لِغَلَبَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا.

فَفِي هَذِهِ الْحَالَاتِ وَأَمْثَالِهَا يُعْمَلُ بِالظُّنُونِ، فَإِنْ أَصَابَ مَنْ قَامَ بِهَا فَقَدْ أَدَّى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى , وَإِنْ لَمْ يُصِبْ كَانَ مَعْذُورًا وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ.

وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَطُوفَ فِي السُّوقِ وَأَنْ يَتَفَحَّصَ أَحْوَالَ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ أَحَدٌ بِخِيَانَتِهِمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ بَلْ هُوَ مِنْ صَمِيمِ عَمَلِهِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْغَلَهُ عَنْهُ شَاغِلٌ كَمَا سَبَقَ فِي بَحْثِ آدَابِ الْمُحْتَسِبِ [5] .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَعْلُومًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ [6] ,

(1) - صحيح البخارى برقم (5143) وصحيح مسلم برقم (6701)

وفي شرح النووي على مسلم - (ج 8 / ص 357)

الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ظَنِّ السُّوء. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ تَحْقِيق الظَّنّ وَتَصْدِيقه دُون مَا يَهْجِس فِي النَّفْس؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْلَك. وَمُرَاد الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّم مِنْ الظَّنّ مَا يَسْتَمِرّ صَاحِبه عَلَيْهِ، وَيَسْتَقِرّ فِي قَلْبه، دُون مَا يَعْرِض فِي الْقَلْب، وَلَا يَسْتَقِرّ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث"تَجَاوَزَ اللَّه تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ تَتَكَلَّم أَوْ تَعْمِد"وَسَبَقَ تَأْوِيله عَلَى الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ - وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ: الظَّنّ الَّذِي يَأْثَم بِهِ هُوَ مَا ظَنَّهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم لَمْ يَأْثَم. قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد الْحُكْم فِي الشَّرْع بِظَنٍّ مُجَرَّد مِنْ غَيْر بِنَاء عَلَى أَصْل وَلَا نَظَر وَاسْتِدْلَال، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل، وَالصَّوَاب الْأَوَّل.

(2) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 60) و2/ 62 وأحكام القرآن لابن العربي 4/ 12 - 15 والجامع لأحكام القرآن 16/ 332 وأحكام القرآن للجصاص 5/ 287 - 289 والآداب الشرعية 1/ 317

(3) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 58)

(4) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 56) و الفروق 4/ 257 و الآداب الشرعية 1/ 317

(5) - نصاب الاحتساب 156 و157 و1/ 2 و202

(6) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 6063) والموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 14545) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 12 / ص 478و479)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت