وقال الإمام عبدالرحمن بن أبي بكر الحنبلي في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [1] : (والمقصود أنه كان من عادة السلف الإنكار على الأمراء والسلاطين والصدع بالحق وقلة المبالاة بسطوتهم إيثارًا لإقامة حق الله سبحانه على بقائهم واختيارهم لإعزاز الشرع على حفظ مُهَجهم واستسلامًا للشهادة إن حصلت لهم) وقال الغزلي: (وإذا جار أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضًا له ذلك في الحسبة، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة. وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتنكسر بذلك شوكتهم؛ فكذلك يجوز للمحتسب واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتنكسر بذلك شوكتهم؛ فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب وللقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا وهو عين الهلاك. فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرًا ويفديه بنفسه، فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له بل ينبغي أن يكون حرامًا. وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر أو ظهر لفعله فائدة، وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه. فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه فلا تجوز له الحسبة بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بأن يفضى ذلك إلى منكر آخر) [2] .
ومما ذكر في التاريخ أيضًا في هذا الباب ما ذكره ابن عبدالهادي في العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية من جملة أشياء تدل على استعماله هذا المبدأ في الحسبة على الدولة، من ذلك موقفه مع السلطان محمد بن الناصر قلاوون في أول مجلس له بعد رجوع الحكم إليه في محضر أعيان العلماء والكبراء والشيوخ والقضاة والأمراء، وعرض على السلطان طلب من النصارى بدفع مال زيادة على ما كانوا يدفعون ليؤذن لهم بالعودة إلى ما كانوا يلبسون مثل المسلمين، فسكت الحاضرون، فجثا الشيخ على ركبتيه وقال للسلطان: (لا تفعل وإني أعيذك أن يكون أول مراسيمك - في أول مجلس لك بعد أن عاد الله إليك الملك ونصرك على عدوك - أن تنصر فيه الكفار وتعزهم من أجل الدنيا الفانية) [3] .
ومن ذلك ما ذكره الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي [4] :
(1) - ص201
(2) - وفي إحياء علوم الدين - (ج 2 / ص 156)
(4) - سير أعلام النبلاء - (ج 5 / ص 262) و (سير أعلام النبلاء 16/ 148) .