فهرس الكتاب
= بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَتَرَكُوا الْجِهَاد، وَاتَّبَعُوا أَذْنَاب الْبَقَر أَدْخَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعهُ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ"وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا وَأَنَّهُ مَحْفُوظ."
الدَّلِيل الثَّالِث: مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَنَس"أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعِينَة؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّه لَا يُخْدَع، هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله"؟ وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظ فِي حُكْم الْمَرْفُوع.
الدَّلِيل الرَّابِع: مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَقَوْله"هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله".
الدَّلِيل الْخَامِس: مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا سَعِيد عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ جَدَّته الْعَالِيَة، وَرَوَاهُ حَرْب مِنْ حَدِيث إِسْرَائِيل حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاق عَنْ جَدَّته الْعَالِيَة - يَعْنِي جَدَّة إِسْرَائِيل - فَإِنَّهَا اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق قَالَتْ"دَخَلْت عَلَى عَائِشَة فِي نِسْوَة فَقَالَتْ مَا حَاجَتكُنَّ؟ فَكَانَ أَوَّل مَنْ سَأَلَهَا أُمّ مَحَبَّة، فَقَالَتْ يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ تَعْرِفِينَ زَيْد بْن أَرْقَمَ؟ قَالَتْ نَعَمْ."
قَالَتْ: فَإِنِّي بِعْته جَارِيَة لِي بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم إِلَى الْعَطَاء، وَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعهَا فَابْتَعْتهَا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَم نَقْدًا. فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ غَضْبَى، فَقَالَتْ: بِئْسَمَا شَرَيْت وَبِئْسَمَا اِشْتَرَيْت، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَاده مَعَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا أَنْ يَتُوب، وَأَفْحَمَتْ صَاحِبَتنَا فَلَمْ تَتَكَلَّم طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّهُ سُهِّلَ عَنْهَا فَقَالَتْ: يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْت إِنْ لَمْ آخُذ إِلَّا رَأْس مَالِي؟ فَتَلَتْ عَلَيْهَا {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبّه فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَف} "."
فَلَوْلَا أَنَّ عِنْد أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمًا لَا تَسْتَرِيب فِيهِ أَنَّ هَذَا مُحَرَّم لَمْ تَسْتَجِزْ أَنْ تَقُول مِثْل هَذَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ قَدْ قَصَدَتْ أَنَّ الْعَمَل يَحْبَط بِالرِّدَّةِ، وَأَنَّ اِسْتِحْلَال الرِّبَا أَكْفَر، وَهَذَا مِنْهُ، وَلَكِنَّ زَيْدًا مَعْذُور لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَم أَنَّ هَذَا مُحَرَّم، وَلِهَذَا قَالَتْ"أَبْلِغِيهِ".
وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون قَدْ قَصَدَتْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْكَبَائِر الَّتِي يُقَاوِم إِثْمهَا ثَوَاب الْجِهَاد فَيَصِير بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَمِلَ حَسَنَة وَسَيِّئَة بِقَدْرِهَا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لِجَزْمِ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مِنْ مَسَائِل الِاجْتِهَاد وَالنِّزَاع بَيْن الصَّحَابَة لَمْ تُطْلِق عَائِشَة ذَلِكَ عَلَى زَيْد فَإِنَّ الْحَسَنَات لَا تَبْطُل بِمَسَائِل الِاجْتِهَاد.
وَلَا يُقَال: فَزَيْد مِنْ الصَّحَابَة وَقَدْ خَالَفَهَا، لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُلْ: هَذَا حَلَال بَلْ فَعَلَهُ وَفِعْل الْمُجْتَهِد لَا يَدُلّ عَلَى قَوْله عَلَى الصَّحِيح لِاحْتِمَالِ سَهْو أَوْ غَفْلَة أَوْ تَأْوِيل أَوْ رُجُوع وَنَحْوه وَكَثِيرًا مَا يَفْعَل الرَّجُل الشَّيْء، وَلَا يَعْلَم مَفْسَدَته، فَإِذَا بِهِ لَهُ اِنْتَبَهَ وَلَا سِيَّمَا أُمّ وَلَده، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة تَسْتَفْتِيهَا، وَطَلَبَتْ الرُّجُوع إِلَى رَأْس مَالهَا، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى الرُّجُوع عَنْ ذَلِكَ الْعَقْد، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ زَيْد أَنَّهُ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّم ثُبُوت الْحَدِيث، فَإِنَّ أُمّ وَلَد زَيْد مَجْهُولَة.
قُلْنَا: أُمّ وَلَده لَمْ تَرْوِ الْحَدِيث، وَإِنَّمَا كَانَتْ هِيَ صَاحِبَة الْقِصَّة، وَأَمَّا الْعَالِيَة فَهِيَ اِمْرَأَة أَبِي إِسْحَاق السُّبَيْعِيِّ، وَهِيَ مِنْ التَّابِعِيَّات، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَة وَرَوَى عَنْهَا أَبُو إِسْحَاق، وَهُوَ أَعْلَم بِهَا. وَفِي الْحَدِيث قِصَّة وَسِيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَحْفُوظ وَأَنَّ الْعَالِيَة لَمْ تَخْتَلِق هَذِهِ الْقِصَّة وَلَمْ تَضَعهَا، بَلْ يَغْلِب عَلَى الظَّنّ غَلَبَة قَوِيَّة صِدْقهَا فِيهَا وَحِفْظهَا لَهَا، وَلِهَذَا رَوَاهَا عَنْهَا زَوْجهَا مَيْمُون وَلَمْ يَنْهَهَا وَلَا سِيَّمَا عِنْد مَنْ يَقُول رِوَايَة الْعَدْل عَنْ غَيْره تَعْدِيل لَهُ، وَالْكَذِب لَمْ يَكُنْ فَاشِيًا فِي التَّابِعِينَ فُشُوّهُ فِيمَنْ بَعْدهمْ، وَكَثِير مِنْهُمْ كَانَ يَرْوِي عَنْ أُمّه وَامْرَأَته مَا يُخْبِرهُنَّ بِهِ أَزْوَاج رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -،وَيَحْتَجّ بِهِ.
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث تُبَيِّن أَنَّ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ الْعِينَة:
حَدِيث اِبْن عُمَر الَّذِي فِيهِ تَغْلِيظ الْعِينَة.
وَحَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس: أَنَّهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله.
وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا، وَالْمُرْسَل مِنْهَا لَهُ مَا يُوَافِقهُ، وَقَدْ عَمِلَ بِهِ بَعْض الصَّحَابَة وَالسَّلَف وَهَذَا حُجَّة بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاء
الدَّلِيل السَّادِس: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ"مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا".
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيره قَوْلَانِ: أَحَدهمَا: أَنْ يَقُول: بِعْتُك بِعُمْرَةٍ نَقْدًا أَوْ عِشْرِينَ نَسِيئَة، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سِمَاك فَفَسَّرَهُ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود قَالَ"نَهَى رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة، قَالَ سِمَاك: الرَّجُل يَبِيع الرَّجُل، فَيَقُول: هُوَ عَلَيَّ نَسَاء بِكَذَا، وَبِنَقْدٍ بِكَذَا".
وَهَذَا التَّفْسِير ضَعِيف، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِل الرِّبَا فِي هَذِهِ الصُّورَة وَلَا صَفْقَتَيْنِ هُنَا وَإِنَّمَا هِيَ صَفْقَة وَاحِدَة بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ.
وَالتَّفْسِير الثَّانِي: أَنْ يَقُول أَبِيعكهَا بِمِائَةٍ إِلَى سَنَة عَلَى أَنْ أَشْتَرِيهَا مِنْهَا بِثَمَانِينَ حَالَّة وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيث الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ غَيْره، وَهُوَ مُطَابِق لِقَوْلِهِ"فَلَهُ أَوْكَسهمَا أَوْ الرِّبَا"فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذ الثَّمَن الزَّائِد فَيُرْبِي أَوْ الثَّمَن الْأَوَّل فَيَكُون هُوَ أَوْكَسهمَا، وَهُوَ مُطَابِق لِصَفْقَتَيْنِ =