وكانت هذه ظاهرة جديدة على اليهودية إذ كانت مقررات الدراسة في المدارس التلمودية العليا، حتى ذلك الوقت، تقتصر على الدراسات الدينية فحسب.
مع نهاية القرن الثامن عشر، فتحت حكومات فرنسا والنمسا وروسيا مدارس ذات مناهج مختلطة دينية ودنيوية، وقد التف هؤلاء الشبان حول المفكرين الدينيين الداعين إلى الإصلاح، مثل: أبراهام جايجر، وصمويل هولدهايم، وكادفمان كولر، الذين يرجع إليهم الفضل في وضع أسس اليهودية الإصلاحية. [1]
يمكن القول بأن جوهر مشروع اليهودية الإصلاحية هو محاولة نزع القداسة عن كثير من المعتقدات الدينية اليهودية ووضعها في إطار تاريخي.
لقد عدّ الإصلاحيون فكرة التوراة، -بالنسبة لهم- مجرد نصوص أوحى الإله بها للعبرانيين الأوائل؛ لذا يجب احترامها كرؤى عميقة، ولكنها يجب أن تتكيّف مع العصور المختلفة، فثمة فرق بين الوحي والإلهام، إذ إن الإلهام ليس خالصًا أو صافيًا، فالبشر يصيغونه بعاداتهم ولغتهم فيختلط بعناصر تاريخية دنيوية. لكل هذا يجب على اليهودي أن يحاول فهم وتفسير هذا الوحي، أو الإلهام من آونة إلى أخرى، وأن ينفذ منه ما هو ممكن في لحظته التاريخية. وبهذا يصبح للقانون الإلهي (الشريعة) السلطة والحق، طالما كانت أوضاع الحياة التي جاء لمعالجتها مثمرة، وعندما تتغير الأوضاع، يجب أن يُنسخ القانون، حتى وإن كان الإله صاحبه ومشرّعه، أي أن الشريعة فقدت سلطتها الإلزامية المطلقة وأصبحت روح العصر النقطة المرجعية والركيزة النهائية. [2]
وفي ضوء منطلقات الفكر اليهودي الإصلاحي، يمكننا أن ننظر إلى التعديلات التي أدخلها زعماء الحركة الإصلاحية بإلغاء الصلوات ذات الطابع القومي اليهودي، وجعلوا لغة الصلاة الألمانية (ثم الإنجليزية في الولايات المتحدة) لا العبرية (ليتمشوا مع روح العصر والمكان) ، وأبطلوا كل الفوارق بين الكهنة واللاوين وبقية اليهود، وأدخلوا الموسيقى والأناشيد الجماعية، كما سمحوا باختلاط الجنسين في الصلوات، ومنعوا تغطية الرأس أثناء الصلاة أو استخدام تمائم الصلاة (تفيلين) ، ولقد تأثروا في ذلك بالصلوات البروتستانتية، وقام بعض الإصلاحيين ببناء بيت للعبادة أطلقوا عليه اسم"الهيكل"، وكانت تلك أول مرة يُستخدم فيها هذا المصطلح؛ لأنه لم يكن يطلق إلا على الهيكل الموجود في القدس. ومعنى ذلك أن الإصلاحيين بتسميتهم معبدهم هذه التسمية الجديدة، كانوا يحاولون تعميق ولاء اليهود إلى الوطن الذي
(1) انظر: عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، ج5، ص370 - 371.
(2) نفس المصدر السابق، ص372.