وكان للوقف إسهاماته في المجال الثقافي الذي عليه مدار العرض في هذا البحث، فتتجلى في كل ما يقوم به الوقف نحو مؤسسات التعليم من مساعدة طلابه وشيوخه على تحصيل العلوم ونشرها، خاصة بعدما استقلت الدراسة العلمية عما كانت عليه في صدر الإسلام، (( وبرزت الحاجة إلى مؤسسات خاصة، وأجاز الفقهاء أخذ الأجور على القيام بالواجبات والشعائر الدينية العامة ؛ من تعليم القرآن، والعلم، والقيام بالإمامة، والخطابة، والأذان، لضرورة إحيائها خوفًا من تقاصر الهمم عنها، ولذا اتجه الوقف اتجاهًا جديدًا في هدفه نحو المؤسسات العلمية، وأهل العلم ورجال الدين، والقائمين بإحياء شعائره، ونشر تعاليمه، مما نشأ عنه اتجاه جديد أيضًا في الأموال الموقوفة نفسها ؛ إذ أصبحت توقف العقارات التي تستغل بالإيجار كالدور والحوانيت، ولم يبق مقصورًا على ما يستغل بالزراعة والاستثمار (( لتكون بمثابة مورد مالي دائم لاستمرار تلك المؤسسات، ولأنه من الضروري تحصيل النقد عن طريق الوقف، ليصرف على بناء المدارس وحاجاتها وعلى وجوه الصرف الأخرى ؛ كصيانة وتوفير مستلزمات الدراسة فيها وصرف مرتبات أهل العلم بها(1) .
(1) مصطفى أحمد الزرقا، مرجع سابق، 14.