الصفحة 183 من 195

المراد بها بعض الأنفس، وهي: نفس الكافر، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس؛ إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير" [1] ."

ومعنى: (جنب الله) ؛ أي: قربه؛ لأن الجنب بمعنى الجوار والقرب، ومنه قوله تعالى: (والصاحب بالجنب) [2] . فتتحسر النفس الكافرة على تفريطها في طلب قرب الله،- وهو الجنة -، وكذلك على سخريتها بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين. وقوله تعالى: (وإن كنت لمن الساخرين) جملة حالية؛ أي: كأن النفس المتحسرة تقول: فرطت وأنا ساخرة [3] .

فهيا"قبل أن تتحسروا على فوات الفرصة، وعلى التفريط في حق الله، وعلى السخرية بوعد الله ( ... ) فالفرصة ها هي ذي سانحة، ووسائل الهدى ما تزال حاضرة، وباب التوبة ها هو ذا مفتوح ( ... ) فإذا انتهت الحياة فلا كرة ولا رجوع، وها أنتم أولاء في دار العمل، وهي فرصة واحدة إذا انقضت لا تعود، وستسألون عنها مع التبكيت والترذيل" [4] .

فالنفس الهازئة تتحسر على استهزائها، والحسرة ألم، فكيف بحسرة هي الألم في موطن العذاب والألم في نار جهنم؟ ‍‍‍‍‍إنها حسرة تمزق أحشاء النفس المستهزئة. فالكفر أمر تُعذب عليه هذه النفس، ولذلك فإنها تتحسر على ما فرطت في جنب الله، وكذلك فإنها تتحسر على السخرية بدين الله، وذلك؛ لأنها تعذّ‍ب عذابًا مستقلًا على سخريتها مع عذابها على كفرها ولذلك فقد تحسرت على استهزائها تحسرًا مستقلًا عن كفرها؛ فهما أمران: كفر مجرد، وزيادة عليه استهزاء. فالاستهزاء كفر وزيادة وعقابه عقاب الكفر وزيادة، وذلك بناءً على ما يُفهم من تحسر النفس على الأمرين: التفريط في جنب الله والاستهزاء في دين الله؛ (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين) .

فالمستهزئون بدين الله - سبحانه وتعالى - منسيون في الآخرة، فهم في النار لا يَخرجون منها ولا يُخرجون؛ يقول تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ

(1) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 4، ص 139.

(2) سورة النساء / 36

(3) . القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، مصدر سابق، الجزء 6، ص ص 89 - 90.

(4) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 24، ص 3059.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت