فهاتان الآيتان تصوران حال الكافر المعاند المستهزئ عند سماع آيات الله؛ فهو (يسمع آيات الله) وهي (تتلى عليه) ولكنه (يصر مستكبرًا) . والإصرار هو: التشدد في الشيء، والامتناع عن الإقلاع عنه [1]
فهو يسمع آيات الله سماعًا متكررًا وليس سماع مرة عابرة، وهذا السماع المتكرر مستفاد من الجملة الفعلية (يسمع آيات الله) ؛ لأن الجملة الفعلية تفيد الحدوث والتجدد حينًا بعد حين [2] ؛ فهو يسمع هذه الآيات تتلى عليه هو بذاته؛ تخاطبه وتخاطب قلبه ووجدانه وعقله ولكنه يصر مستكبرًا وإنه لأمر عظيم أن يدوم هذا السامع على الكفر بعد سماعه لآيات الله، وبعد ذلك ... (يصر مستكبرًا) وزيادة على ذلك (كأن لم يسمعها) . وعطف الكلام - في قوله تعالى (ثم يصر مستكبرًا) - بـ (ثم) "لاستعظام الإصرار على الكفر بعد سماع آيات الله واستبعاد ذلك في العقل والطبع" [3]
"وهذه الصورة البغيضة؛ ولو أنها صورة فريق من المشركين في مكة، إلا أنها تتكرر في كل جاهلية، وتتكرر اليوم وغدًا، فكم في الأرض - وبين من يقال: إنهم مسلمون - من يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبرًا كأن لم يسمع؛ لأنها لا توافق هواه، ولا تسير مع مألوفه، ولا تعاونه على باطله، ولا تقرّه على شرّه، ولا تتمشى له مع اتجاه" [4] . ولذلك (فبشرًّه بعذاب أليم) على كفره وعلى إصراره على ما هو فيه. [5]
"والبشارة تكون للخير، وهي هنا للسخرية. فإذا كان لا يسمع النذير، فليأته الويل المنظور، من صوت البشير، زيادة في السخرية والتحقير" [6] .
(1) انظر حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص ص 481 - 482.
(2) انظر فضل حسن عباس، البلاغة فنونها وأفنانها (علم المعاني) ، الطبعة 2، دار الفرقان، أربد، 1989 م، ص ص 92 - 93.
(3) ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 270.
(4) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 25، ص 3225.
(5) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 5، ص 142. 58.
(6) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 25، ص 3225