فسبحان الله! هل يستطيع الإنسان أن يضحك ملأ فيه من شيء لا يُضحك منه؟! وقد يقع مثل هذا إذا كان الضحك ضحكًا مصطنعًا، أو كان الاستهزاء بالقرآن قد أعمى أعين الكفار، وصمّ آذانهم، و أغلق عقولهم، وغلّف قلوبهم، فغدوا لا يستمعون إلا بأُذُن الاستهزاء، ولا يرون إلا بعين الاستهزاء، ولا يتفكرون إلا بعقل الاستهزاء، ولا تعقل قلوبهم شيئًا إلا متلبسًا بالاستهزاء.
يقول الزمخشري:" (وتضحكون) استهزاءً" [1] . وكذا يقول القرطبي [2] والشوكاني [3] وغيرهم [4] .
فوا عجبًا من الكفار يضحكون من القرآن، وفيه الأوامر العظيمة التي تحتاج لرجال كي يحملوها، وفيه من الأخبار ما ترتعد لها القلوب خوفًا وتجب، ثم بعد ذلك تضطرب. ففيه ذكر مصارع الغابرين، وأخبار عذابهم يوم الدين، وفيه الوعيد والتهديد للعاصين والكافرين. ورغم ذلك هم يضحكون، تالله إنهم لا يعقلون. ولو كانوا يعقلون لبكوا خشيةً وإيمانًا، ولما ضحكوا استهزاءً وطغيانًا.
ويا عجبًا للعقلية الكفرية، عندما تواجهها الحقيقة، فإنها تتخذ من الضحك أسلوب استهزاء؛ ومن الاستهزاء أسلوب تملّص وهروب، وهذا ما فعله الكفار عند سماعهم القرآن.
وقد أُقيم عرض للأزياء في أحد فنادق القدس المحتلة، وقد ظهرت العارضات كاسيات عاريات، يُظهرهن مفاتنهن أمام الجماهير الناظرة، وهذا أمر عظيم أن يعصى الله في بيت المقدس المطهَّر، ولكن الأعظم من ذلك والأدهى والأمرّ أن يُصاحب ذلك العرض عزف موسيقي حتى يلهب مشاعر الجماهير، وأي موسيقا هذه التي تكون مصاحبة لصوت قارئ يقرأ
(1) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 4، ص430.
(2) انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 17، ص 112.
(3) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 5، ص 142.
(4) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 6، ص 163.
وانظر المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، مرجع سابق، الجز5، ص 129.