الصفحة 127 من 205

ومعروف أن القالب الحسى إن هو إلا وعاء أو ظرف لخصائص الكيان المعنوى، وأن العوامل الباطنة المختلفة هى التى تتحكم في توجيه البدن إلى الوجهة التى تشاء، وتفرض عليه من ألوان التصرفات ما تريد، فللطبع أحكامه، وللغرائز مطالبها، وللعاطفة أشواقها وميولها، وللفكر منطقه ونقده، وتمييزه. وكل ذلك لا يستطيع أن يتخذ سبيله إلى ظاهر الحياة إلا عن طريق البدن. أى لا يستطيع أن يعبر عن نفسه، ويكشف حقيقة مستورة إلا بوساطة الأجهزة المختلفة والجوارح المتباينة التى يتألف منها البدن، فالمرء حين يتكلم، أو يكتب، أو يشير بيده، أو يمشى برجله، أو يبيع، أو يشترى، أو يتصل بالناس، أو يتقلب في أنواع التصرف، إنما ينبعث بنداء بواعث كامنة، وإملاء عوامل باطنة، وما حركات البدن إلا التعبير الطبيعى عن مقاصد تلك البواعث والعوامل.

فحقيقة الإنسان- إذا- ليس هى بدنه الذى يؤمر فيأتمر، ويساق فيتحرك، ويسخر فيلزم ما يلى عليه أو يرسم له، بل هى المزاج المعنوى الذى يجمع اتجاهات الطبع والغرائز والعاطفة والفكر في نسق واحد، أو كيان نفسانى يطبع سلوك صاحبه بطابعه الخاص، ويرسم له في أذهان الناس شخصية متميزة عما سواها.

هذا المزاج المعنوى، أو هذا الكيان النفسى هو حقيقة المرء التى تهب له وجوده المستقل، وتميزه بخصائصها الذاتية فلا يماثله فيها أحد.

وبما أن سلوك المرء إن هو إلا الخط الذى ترسمه له طباعه، وميوله وغرائزه وذهنه، فلا جرم أن يكون لكل امرئ خطه الذى لا يشاركه فيه أحد ووجهته التى يتميز بها دون الناس.

وهذا كله هو من معانى قوله سبحانه: (ولكل وجهة هو موليها) أى لكل من الناس قبلة، أى وجهة، على ما ذكره الإمام القرطبى في تفسيره.

والحق سبحانه لا يريد بهذا القول الكريم مجرد التقرير والخبر وإفادة المعنى، بل يريد النص على سنة باقية، وقانون أصيل من قوانين صلاح الفرد والمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت