فهرس الكتاب
فأعجب سليمان ما شاهد، ثم قال جرير: يا أمير المؤمنين، كأني بابن القين - يعني الفرزدق - قد
أجابني، فقال (الطويل - قافيته من المتدارك) :
ولا نقتلُ الأسرى ولكنْ نفكُّهُم…إذا أثْقَلَ الأعناقَ حملُ المَغارمِ
ثم حضر الفرزدق، فأخبر بالهجو، دون ما عداه - فقال مجبيًا له:
كذاكَ سيوفُ الهِنْدِ تنبو ظُبانُها…وتَقْطَع أحيانًا مِناط التّمائِم
ولا نَقتُل الأسرى ولَكن نفكُّهُمْ…إذا أثقَل الأعناقَ حملُ المغارمِ
وهل ضربةُ الروميَّ جاعلةٌ لكم…أَبًا من كُليبٍ أو أخًا مثلَ دارمِ
فأنظر أيها المتأمل - إلى جودة هاتين القريحتين، وتوارد هذين الخاطرين، على هذا المعنى الذي لو
أراده غيرهما لما حصل إلا بعد التروي والجهد والتعب والكد.
ويضارع هذه الحكاية ما حكي: أن المهدي أتى بأساري من الروم، فأمر بقتلهم، وكان عنده شبيب بن
شيبة، فقال له: اضرب عنق هذا العلج، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما ابتلي به الفرزدق، فعير
به قومه، إلى اليوم.