فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 477

لم يأخذ الإمام مالك بهذا الحديث وقال: إن على المعضوض عقل السن قياسًا على الجاني المخطيء (1) ، وهذا معنى قوله: (إذا عضّ رجل إصبع رجل فجبذ إصبعه فطرح ثنية العاض أن على المعضوض عقل السن وهذا من الخطأ) (2) .

وأشار ابن رشد (الجد) إلى الأعذار التي يعتذر للإمام مالك على تركه لمدلول الحديث بعدة أعذار:-

1 -يحتمل أن يكون الحديث لم يبلغ مالكًا.

2 -يحتمل أن يكون الحديث بمعنى، فلا يصحّ أن يعدى حكمه إلى غير تلك العين.

3 -يحتمل أن يكون الحديث بلغه، ولكن رأى أن القياس يعارضه فقدّمه عليه على ما حكى ابن القصار من أن مذهب مالك أنه إذا اجتمع خبر الآحاد مع القياس ولم يمكن الجمع قدّم القياس (3) ، ثم بيّن وجه القياس فقال: (إن هذه جناية من عاقل حدث بفعله ما يجوز له فعله فوجب أن يكون خطأ ولا يكون هدرًا أصله إذا رمى طائرًا فأصاب إنسانًا) (4) .

هذان الشاهدان وأمثالهما في الفقه المالكي أدّيا ببعض الأصوليين إلى القول بأن الامام مالك أو أصحابه يقدّمون القياس على خبر الآحاد، والذي أميل إليه أن الإمام مالك لم يترك الحديث لمجرد تعارضه مع القياس؛ بل ربما لم يبلغه، أو رأى أنّ فيه قادح، أو أن اللفظ يحتمل التأويل أومعارضا للقواعد والأصول.

وممّا يؤيد ذلك أن ابن رشد (الحفيد) يقول: (الحقّ أن الأثر إذا كان نصًا ثابتًا، فالواجب أن يغلب على القياس، وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملًا للتأويل فهنا يتردد النظر، هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ أو يغلب ظاهر على مقتضى القياس) (5) ،

يقول الإمام الشاطبي (6) : (وأما الثالث وهو الظني المعارض لأصل قطعي فمردود بل إشكال، ومن الدليل على ذلك أمران: أحدهما أنه مخالف لأصول الشريعة ومخالف أصولها لايصح؛ لأنه ليس منها وماليس من الشريعة كيف منها؟ والثانية أنه ليس له ما يشهد بصحته

(1) ينظر: شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل: 8/ 170.

(2) البيان والتحصيل: 16/ 101.

(3) ينظر: البيان والتحصيل: 16/ 102.

(4) المصدر نفسه: 16/ 102 ... .

(5) بداية المجتهد: ص431 ... .

(6) هو ابراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي ثم الغرناطي، أبو إسحاق كان أصوليًا مفسرًا فقيهًا محدثًا لغويًا ت (709هـ) من تصانيفه: الموافقات، الإعتصام، ينظر: نيل الإبتهاج: 1/ 33، معجم المطبوعات: 1/ 1090 - 1091.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت