فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 477

وما هو كذلك ساقط الاعتبار) (1) .

رابعًا: المعارضة بين القياس وعمل أهل المدينة:-

سبق ممّا ذكر أن المالكية يحتجون بعمل أهل المدينة ويقدمونه على خبر الآحاد خلافًا لجمهور علماء الأصول الذين لم يفرّق بين عمل أهل المدينة وغيرهم، فمن باب أولى أن يقدّموا عمل أهل المدينة على القياس إذا حصل تعارض بينهما؛ لأنه إذا قدّم على القوي وهو خبرالآحاد فأولى أن يقدّم على ما دونه وهو القياس، وهناك شواهد في الفقه المالكي تدلّ على أن الإمام مالك أخذ بعمل أهل المدينة وترك القياس منها:-

الشاهد الأول:-

(عن مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر كان إذا رعف انصرف توضأ ثم رجع فبني ولم يتكلّم، وحدثني عن مالك أنه بلغه أنّ عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيغسل الدّم عنه ثم يرجع فيبني على ما قد صلّى) (2) .

أخذ الإمام مالك بمدلول الأثرين وهو جواز البناء للراعف الذي ينصرف من صلاته فيغسل الدم، ثم يرجع فيبني صلاته، وهذا الحكم مخالف للقياس؛ لأن الصلاة تبطل بالعمل الكثير اتفاقًا، فكان القياس أن تبطل صلاة الرعاف إذا خرج لغسل الدم، ولكن الآثار تفيد عدم البطلان خلافًا للقياس (3) .

قال ابن رشد (الحفيد) وهو يذكر حكم الحركة في الصلاة: (فأما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي من أفعال الصلاة، إلاّ قتل العقرب والحية في الصلاة فإنهم أختلفوا في ذلك لمعارضة الأثر في ذلك القياس) (4) .

وعمدة الإمام مالك في قبول الأثر هو عمل أهل المدينة، وممّا يدل على ذلك أن الإمام القرافي بعد أن ذكر حكم الرعاف فقال: (لنا ما يروى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن المسيب، وجماعة من التابعين من غير نكير؛ فكان إجماعًا، وهو مذكور في الموطأ،

(1) الموافقات للشاطبي: 3/ 11.

(2) موطّأ مالك، كتاب الطهارة، باب (ما جاء في الرعاف) : 2/ 52 برقم (110 - 111) 0

(3) ينظر: الذخيرة للقرافي: 1/ 513، القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة، محمد بن محمد بن عبد الله بن جزّي الكلبي الغرناطي، تحقيق الدكتور يحيى مراد، دار النشر مؤسسة المختار- القاهرة، الطبعة الأولى 1430هـ - 2009م: ص47، أصول فقه الإمام مالك أدلته العقلية: 1/ 296

(4) بداية المجتهد: ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت