المطلب الثالث - الحضانة وفيها مسألة: (حكم ثبوت الحضانة لجدّ أمّ)
لا أعلم خلافًا بين الفقهاء في أن الحضانة (1) واجبة؛ لأن الإنسان خلق ضعيفًا مفتقرًا إلى مَن يكفله ويرعاه و إلاّ هلك إذا تركت حضانته، لذا فحفظه من المهالك واجب كوجوب الإنفاق عليه وإنجائه من المهالك، وهذه الحضانة حقّ لقربة الطفل؛ لأنها ولاية على الطفل ولا تبث هذه الولاية لطفل أو مجنون أو معتوه؛ لأنهم لا يقدرون عليها وهم يحتاجون إلى من يكفلهم، فكيف يكفلون غيرهم؟ وأن الفقهاء متفقون على أن الأمّ أحق بحضانة الولد من أبيه وغيره ما لم تتزوّج (2) ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (3)
يقول ابن عاشور: (والوالدات أي المطلقات اللائي لهنّ أولاد في سنّ الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق ولا يقع في حالة العصمة) (4) .
واستدلوا بالحديث الوارد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ إمرأة قالت: (يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء، و إنّ أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه منّي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنتِ أحقّ به ما لم تنكحي) (5) .
يقول الإمام الباجي في بيان الحكمة من حضانة الأمّ: (أن الأم أرفق بالابن وأحسن تناولًا لغسله وتنظيفه والقيام بشأنه كلّه مع ملازمتها ذلك واشتغال الأب في تصرفه، فكان ذلك
(1) الحضانة لغة: الحفظ والصيانة، واصطلاحًا: هي حفظ الولد والقيام بمصالحه 0 ينظر: مقاييس اللغة لابن فارس: ص214، الشرح الكبير للدردير: 3/ 508.
(2) ينظر: المعونة على مذهب عالم المدينة: 1/ 641، المغني لابن قدامة: 11/ 247، تكملة المجموع: 20/ 159، التوضيح لسيدي خليل: 4/ 442، رحمة الأمة: ص259، السيل الجرار: ص453.
(3) سورة البقرة: الآية (233)
(4) التحرير والتنوير لابن عاشور: 2/ 409.
(5) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 11/ 310برقم (6707) ، وأبو داوود في سننه، كتاب الطلاقباب مَن أحقّ بالولد: 1/ 693 برقم 2276، المستدرك على الصحيحين، كتاب الطلاق: 2/ 225 برقم 2830، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال ابن الملقن: (هذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داوود والبيهقي في السنن) البدر المنير: 8/ 317.