فهرس الكتاب
المطلب الثالث- بيع الثمرة والجائحة وفيه مسألة: (حكم وضع الجائحة)
لا خلاف بين فقهاء المالكية في أنّ مَن اشترى ثمرة قد بدا صلاحها، فأصابتها جائحة (1) فأتلفت ثلث الثمر فأكثر سقط من ثمنها وكان في ضمان البائع (2) ، واستدلوا بما روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لو بعتَ مِن أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ) (3) ، وعنه أنّه قال: (أمر النبيّ- صلى الله عليه وسلم-بوضع الجائحة) (4) .
وجه الدلالة:
هذان الحديثان نصّ في جائحة الثمار، إلاّ أنّ الإمام مالك وأصحابه خصّوا ظواهر هذين الحديثين وغيرهما في ثلث الثمرة فأكثر؛ لأنّّ الثمرة لا تنفك من سقوط يسير، و لا تخلو من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد، وإذا وجب العفو في اليسير فما قصر عن الثلث فهو في حكم اليسير (5) .
واختلف الفقهاء في تقدير قيمة الثمرة إذا أصابتها جائحة، على أقوال:-
القول الأول:
تعتبر قيمة المصاب والسالم يوم الجائحة، وهو قول لفقهاء المالكية منهم ابن القاسم وابن الموّاز والقرافي والراجح عند الحنابلة، وبه قال الشافعي في قوله القديم ويحيى بن سعيد
(1) الجائحة لغة: جمع جائحة وهي مأخوذة من الجوح، وهو الهلاك والإستئصال، يقال: جاحته الجائحة وأجاحته بمعنى واحد، وكذلك جاحه الله وأجاحه واجتاحه إذا أهلكه بالجائحة. ... ينظر: مقاييس اللغة: ص179.
واصطلاحًا: هي الآفة التي تصيب الزروع أو الثمار فتهلكها دون أن يكون لآدمي صنع فيها مثل القحط والبرد والعطش والريح. ينظر: التفريع لابن جلاب: 2/ 152، الذخيرة للقرافي: 4/ 414، شرح الزرقاني على موطأ مالك: 3/ 364.
(2) ينظر: النوادر والزيادات: 6/ 203، التلقين للقاضي عبد الوهاب، ص113، البيان والتحصيل: 12/ 165، الذخيرة للقرافي: 4/ 389، التوضيح لسيدي خليل: 5/ 178.
(3) صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب وضع الجوائح: 3/ 1190 برقم 1154، سنن النسائي الكبرى: كتاب البيوع، باب وضع الجوائح: 4/ 19 برقم6118.
(4) صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب وضع الجوائح: 3/ 1190 برقم 1154.
(5) ينظر: التمهيد لابن عبد البرّ: 1/ 394، بداية المجتهد: ص 588.