المطلب السادس: (الترجيح بين المعقولين)
يقصد علماء الأصول بالترجيح بين المعقولين هو الترجيح بين الأقيسة، وطرق الترجيح بين الأقيسة، بعضها يرجع إلى ترجيح حكم الأصل في أحد القياسين على حكم الأصل الآخر، وبعضها إلى ترجيح دليل حكم الفرع، وبعضها إلى ترجيح علة القياس، وبعضها إلى ترجيح أمر خارجي، ومن أكثر الأصوليين توسعًا في طرق الترجيح بين الأقيسة وهو الأمام الآمدي حتى ذكر ستة عشر نوعًا من المرجحات التي تعود إلى حكم الأصل، وخمسة وثلاثين من المرجحات التي تعود إلى العلة، وأربعة من المرجحات التي تعود إلى حكم الفرع، وكلّ من جاء بعده أخذ عنه (1) .
وممّا ينبغي أن يذكر أن الأصوليين لم يهتموا بذكر الأمثلة لطرق الترجيح بين الأقيسة بقدر بيانهم لتلك الطرق؛ لأن الصفات التي تميّز الأقيسة تختلف من صفة إلى أخرى، قد تكون في الأقيسة صفة، وفي الآخر صفتان، وفي الآخر ثلاث، ولا يمكن للمجتهد أن يرجح بين الأقيسة حتى ينظر إلى أركان القياس (2) .
فإذا نظر المجتهد إلى أركان القياس، هل يجعل حكم الأصل ودليله هو الأول، بحيث إذا ترجح فيترجح ما بني عليه، أو يجعل العلة هي الأصل، بحيث إذا ترجحت ترجح ما بني عليها؟ سواء جعل المجتهد حكم الأصل ودليله هو الأصل أو العلة هي الأصل، فإن للترجيح بين الأصلين وبين العلتين طرقًا كثيرة، فيحتاج إلى معرفة ما يقدم من الطرق على الآخر، وتقديم الطرق على بعضها أمر متروك للمجتهد عند علماء الأصول (3) .
يقول الإمام الشوكاني - رحمه الله: (واعلم أن وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو أرجح) (4) .
يتبيّن من هذا الكلام أن النص كلما كانت إفادته للظن أكثر كان أرجح لدى المجتهد، وبما أن العلة هي أهم أركان القياس، فإن أكثر طرق الترجيح ترجع إلى ترجيح علة على علة
(1) ينظر: ميزان الأصول للسمرقندي: 2/ 1028 - 1029، الأحكام للآمدي: 4/ 487، شرح التلويح على التوضيح: 2/ 242، المحلّى على جمع الجوامع: 2/ 373 - 374، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: ص402 ... .
(2) ينظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله: ص 443.
(3) ينظر: أصول الفقه الإسلامي للزحيلي: 2/ 233 - 234.
(4) إرشاد الفحول: 2/ 1133.