وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر:31] ، ومعلوم أَنَّه قد يحصل العسر والتظالم فيما بين النَّاس [1] .
قالوا: ومن الفرق بينهما أَنَّ إِرادة الإِنسان قد تحصل من غير أَن تَتقدّم إِرادة الله؛ فإِنَّ الإِنسان قد يريد أَلاَّ يموت ويأبى الله ذلك، ومشيئته لا تكون إِلاَّ بعد مشيئته، كقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30، التكوير:29] وروُى أَنه لمَّا نزل قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير:28] ، قال الكفّار: الأمر إِلينا، إِن شئنا استقمنا، وإِن شئنا لم نستقم [2] ، فأَنزل الله تعالى: ... {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير:29] . وقال بعضهم: لولا أَنَّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة ما لله، وأَن أَفعالنا متعلِّقة بها، وموقوفة عليها، لما أَجمع النَّاس على تعليق الاستثناءِ به في جميع أَفعالنا؛ نحو: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] ، ونحوه من الآيات" [3] ."
ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف:188] ، وقوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 ـ 24] .
(1) قال الراغب:"المشيئة تقتضي وجود ما شاء الله؛ لأن كل فعل الله خير، يحمد عليه، كما يثنى عليه بتنزيهه عن الشر، فهو لا يريد الظلم ولا العسر، وما يصيب الإنسان من الشر فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى: ... {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى:30] ، وقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:79] ، ومحال أنه أراد شيئًا وحصل ضده؛ لأن فيه تعجيز الباري تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا". كتاب الاعتقاد للراغب ص 304 ـ 305.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 19/ 243، وتفسير القرآن العظيم 4/ 480.
(3) البصائر 3/ 363 ـ 364، بصيرة في الشيء.