فهرس الكتاب
هو محال الوجود لنفسه لأوجده، وإنما لم يوجده لكونه ما أراد وجود المحال الوجود، فصاحب هذا القول يقول: إن الحق أعطى المحال محاله والواجب وجوبه والممكن إمكانه فهذا القائل لا يدري ما يقول فإنه سبحانه واجب الوجود لنفسه فيلزمه أن يكون هو الذي أعطى لنفسه الوجوب ولو شاء لم يجب وجوده، فكان وجود الحق مرجحًا لنفسه فهو كما قال القائل (الرجز) .
أراد أنْ يُعربه فَأعجَمَهُ
فإنه أراد أن ينسب إليه تعالى نفوذ الاقتدار، ولم يعلم متعلق الاقتدار ما هو فعلقه بما لا يقتضيه، وصير الحق في قبيل الممكنات من حيث لا يشعر، فكانت فائدة إخبار الله تعالى بقوله لو شاء فيما لا يقع إعلام أنّه بالنظر إلى ذاته ممكن الوقوع ليفرق لنا سبحانه بين ما هو في الإمكان وبين ما ليس بممكن، فنفى تعلق المشيئة والإرادة به، فإذا علقها بالمحال على جهة نفي تعلقها مثل قوله: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [الزمر: 4] ، و {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء: 17] ، وهذا محال لنفسه، فكيف أدخله تحت نفي تعلق الإرادة التي لا يدخل تحتها إلا الممكن وهو الذي أشار إليه هذا الذي جهلناه وخطأناه في قوله: فاعلم أن هذا من غاية الكرم الإلهي حيث إنه قد سبق في علمه إيجاد مثل هذا الشخص من فساد العقل الذي قد قضى به له في قسمة فلما قضى بهذا، علم أن عقله لابد أن يعتقد مثل هذا وهو غاية الجهل بالله، فأخبر الله تعالى بنفي تعلق الإرادة بالمحال الوقوع لنفسه فيأخذ الكامل العقل من ذلك نفي تعلق الإرادة بما لا يصح أن تتعلق به، ويأخذ منه هذا الضعيف العقل أنه سبحانه لولا ما قال لو وإلا كان يفعل فيستريح إلى ذلك ولا ينكسر قلبه) [1] .
(1) الفتوحات المكية: 5/ 123 - 124، ب: 323.