الصفحة 2 من 64

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن المتأمل في مسيرة نقد السنة النبوية منذ عصر الرواية إلى وقتنا الحاضر- لابد أن يلاحظ وجود اختلاف في الأحكام النهائية على بعض الأحاديث بين نقاد السنة في عصور الرواية -أي في القرون الثلاثة الأولى- وبين نقاد السنة بعد هذه العصور إلى وقتنا الحاضر، ويلاحظ أيضًا أنه كلما تأخر الزمن بعدت الشقة، واشتد بروز الاختلاف.

فيلاحظ كثرة ما صحح من أحاديث قد حكم عليها الأولون بالنكارة والضعف، وربما صرحوا ببطلانها، أو بكونها موضوعة، وقد يقول المتقدم: هذا الباب -أي هذا الموضوع- لا يثبت، أو لا يصح فيه حديث، فيأتي المتأخر فيقول: بل صح فيه الحديث الفلاني، أو الأحاديث الفلانية.

وهكذا يقال في التصحيح، ربما يصحح المتقدم حديثًا فيأبى ذلك المتأخر، وربما-في الحالين-توارد الأولون وتتابعت كلماتهم على شيء، ومع ذلك لا يلتفت المتأخر إلى هذا الإجماع، أو شبه الإجماع.

وليس ما تقدم بالشيء اليسير، بل هو موجود بكثرة بالغة أوجبت أن يثور في نفوس كثير من العلماء والباحثين السؤال التالي: هل هذا الاختلاف سببه اختلاف الاجتهاد في تطبيق قواعد متفق عليها بين الجميع؟ فإذا قال أحمد -مثلًا- هذا الحديث منكر، أو لا يصح، وقال ابن جرير، أو ابن حزم، أو ابن القطان، أو النووي، أو السيوطي، أو أحد المشايخ المعاصرين: بل هو حديث صحيح، أو في غاية الصحة- فسبب ذلك راجع إلى اختلاف اجتهاد الإمامين، في تطبيق قواعد لا يختلفون عليها، وإنما يقع الاختلاف في الاجتهاد في تطبيقها، أو أن سبب الاختلاف هذا في جل الأحاديث التي وقع فيها الاختلاف مبني على اختلافهم في تقرير القواعد والضوابط التي على أساسها تصحح الأحاديث وتضعف، فالأول يسير على قواعد، ما لبث أن أغفلت عند المتأخرين، أو هذبت حتى لم يبق فيها روح، وحل محلها قواعد جديدة.

من يجيب بالجواب الأول لا جديد عنده، فالمسألة مسألة اجتهاد، وليس هناك شيء يستحق المناقشة، وباب الاجتهاد لا يصح إغلاقه، وإن دعى إلى ذلك بعضهم، بل قد يكون مع المتأخر-هكذا يقول- زيادة علم.

غير أن نفرًا ليس بالقليل عددهم لم يرضوا بالجواب الأول، ويقولون: بل الأمر راجع في حقيقته إلى اختلاف في القواعد، إما عن عمد، كما صرح به بعضهم، فيقول: ذهب المحدثون إلى كذا، والصواب خلافه، وإما عن غير عمد، بحيث يسير على قاعدة يظن أن المتقدم يسير عليها أيضًا.

ويضيف بعض هؤلاء فيقول: على أن جانبًا من الموضوع لا يتعلق بالقواعد، إذ هو يتعلق أساسًا بشخص الناقد في الوقت الأول، وشخص الناقد في الوقت المتأخر، فالناقد في ذلك الوقت تهيأ له من العوامل النفسية، والمادية ما يجعل أحكامه أقرب إلى الصواب.

والمهم هنا هو ما يتعلق بقضية القواعد التي خالف المتأخر فيها المتقدم، إذ يبرز هؤلاء مجموعة قواعد يقولون إنها هي القواعد الأساس، ويتفرع عنها قواعد أخرى، وهذه القواعد هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت