الصفحة 57 من 64

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

فقد كان من نعم الله العظيمة على هذه الأمة أن سخر لها علماء جهابذة، دعوا من ضل إلى الهدى، وصبروا منه على الأذى، وأحيوا بكتاب الله الموتى، وبصروا بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لأبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أٌبح أثر الناس عليهم، نفوا عن كتاب الله وعن سنة رسول الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فحفظوا السنن، وجابوا البلدان، وميزا الأحاديث، وعرفوا الرجال، وخبروا العلل، وصنفوا المصنفات، حتى أظهروا الحق وأبانوا الطريق وأزلوا العوائق أمام كل من أراد أيعرف السنة، فهي أمامنا اليوم بيضاء نقية بفضل من الله تعالى ثم بجهود أولئك القوم رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء، والكلام في وصفهم يطول، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

قال ابن حبان رحمه الله تعالى في وصفهم (1) : (أمعنوا في الحفظ وأكثروا في الكتابة، وأفرطوا في الرحلة، وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والدراسة، حتى أن أحدهم لوسئل عن عدد الأحرف في السنن لكل سنة منها عدها عدًا، ولو زيد فيها ألف أو واو لأخرجها طوعًا ولأظهرها ديانة، ولولاهم لدرست الآثار واضمحلت الأخبار، وعلا أهل الضلالة والهوى، وارتفع أهل البدع والعى) اهـ.

وكان لأولئك القوم منهج دقيق، وخبرة عظيمة في تمييز صحيح الأخبار وضعيفها، حتى كان عملهم هذا أشبه ما يكون بالإلهام ـ وليس به ـ قال ابن رجب رحمه الله تعالى (2) :

(1) كتاب المجروحين) 1/ 58 ـ بتصرف يسير ـ.

(2) جامع العلوم والحكم) ص256، بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت