(وإنما يحمل مثل هذه الأحاديث(1) على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكرم غيره، ولحال رواة الحديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وضبطهم وحفظهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختص الصيرفي الحاذق في معرفة النقود جيدها ورديئتها وخالصها ومشوبها والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته ولا يقيم عليه دليلًا لعغيره، وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم فيتفقون على الجواب فيه من غير مواطأة، وقد امتحن هذا منهم غير مرة في زمن أبي زرعة وأبي حاتم فوجد الأمر على ذلك فقال السائل: (أشهد أن هذا العلم إلهام) .
قال الأعمش: (كان إبراهيم النخعي صيرفيًا في الحديث كنت أسمع من الرجال فأعرض عليه ما سمعته) .
وقال عمرو بن قيس: (ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدرهم الزائف والبهرج وكذا الحديث) .
وقال الأوزاعي: (كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا) .
وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشئ هذا يصح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك،. فقال: (أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عن ذلك أو تسلم الأمر إليه؟
قال: لا بل كنت أسلم الأمر إليه.
فقال: فهذا كذلك لطول المجادلة والمناظرة والخبرة.
(1) يعني حديث (إذا حدثتم عني حديثي تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوه فإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني بحديث تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدقوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف) ، وقد ذكر علته وضعفه.