مقدمة:
من هم المتقدمين ومن هم المتأخرين من المحدثين؟
وما حاجتنا إلى معرفة ذلك في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي؟
وهل يصح أن نضفي على المناهج والمفاهيم المتفق عليها لدى المتأخرين شرعية مطلقة لتفسير نصوص المتقدمين وتأويل مصطلحاتهم في مجال التصحيح والتضعيف، أو في مجال الجرح والتعديل؟
وما مصداقية ذلك التفسير إذا لم تعتبر فيه الخلفية العلمية لتلك المصطلحات، وأساليب أصحابها في استعمالها؟
ومن الجدير بالذكر أن معرفة الإجابة الدقيقة عن هذه التساؤلات أمر لا بد منه لمن يتعامل مع نصوص المتقدمين في مجال التصحيح والتضعيف والجرح والتعديل، التي تزخر بها مصادر الحديث وكتب الرجال، وذلك لتفادي التلفيق بين المناهج المختلفة عند تحديد مفاهيم المصطلحات ودلالات النصوص ذات الطابع النقدي.
ولذا نرى من الضروري أن نشرح مواقف الأئمة تجاه مسألة التفريق بين المتقدمين و المتأخرين بوجه عام في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي، ثم نسلط الضوء على الأمور التاريخية التي أدت إلى تباين المنهج بينهم في ذلك عموما، حتى تكون الإجابة على تلك التساؤلات واقعية دقيقة.
التفريق بين المتقدمين و المتأخرين واقع تاريخي يجب احترامه:
سبق لي ذكر مسألة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في كتابي"نظرات جديدة في علوم الحديث"، لكني أعيدها هنا بشيء من التفصيل لأمرين:
الأول: استدراك بعض النقائص التي دفعت ببعض الإخوة إلى إساءة الظن بنا، وتعكير صفاء هذا الموضوع الذي نحن بحاجة ماسة إلى بلورته وإثرائه، من أجل التحرر من الإشكالات المعقدة كافة حول كثير من أنواع علوم الحديث، وفهم ما تحويه مصطلحاتها من الأبعاد النقدية فهما صحيحًا متكاملًا، والتأصيل لمنهج المحدثين النقاد في تصحيح الأحاديث وتعليلها، دون خلطه بمناهج الفقهاء وعلماء الكلام والأصول، بإذن الله سبحانه وتعالى.
الثاني: أن هذه المسألة تشكل نقطة أساسية لموضوع هذا البحث.