هذا وقد كان استخدام لفظتي"المتقدمين والمتأخرين"مألوفًا في كتب مصطلح الحديث وغيرها، مما يبرهن به على وجود تباين بينهم في استخدام المصطلحات عمومًا، الأمر الذي يفرض على الباحث في علوم الحديث أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار عند شرح المصطلحات والنصوص ذات الطابع النقدي، لا سيما في الأنواع التي توسعت مفاهيمها وضوابطها في العصور المتأخرة، كطرق التحمل والأداء، والجرح والتعديل.
إن أول موضع من كتب المصطلح في التفريق بين المنهجين:
ولعل أول موضع من كتب المصطلح يشد انتباه القراء إلى ضرورة التفريق بين المناهج المختلفة في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي هو مبحث الصحيح.
فقد قال ابن الصلاح:"الصحيح ما اتصل سنده بالعدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة". ثم أشار إلى أن هذا التعريف على منهج أهل الحديث حين قال:"فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلا ف بين أهل الحديث"9. وتبعه في ذلك كل من صنف في مصطلح الحديث عمومًا، متفقين على أن هذا التعريف إنما هو على منهج المحدثين دون غيرهم من الفقهاء و علماء الأصول.
وذلك لأن الفقهاء و علماء الأصول لم يشترطوا في الصحيح أن يكون الحديث خاليا من أسباب الشذوذ والعلة المتفق عليها عند المحدثين. ويتجلى ذلك بوضوح في مسألة زيادة الثقة، ومسألة ما يتفرد به الثقة من الأحاديث، ومسألة تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، و مسألتي الشاذ والمنكر، إذ كان موقف الفقهاء و علماء الأصول تجاه هذه المسائل هو قبول ما يرده نقاد الحديث.