الصفحة 32 من 64

والذي يبدو من مضمون الرسالة المشار إليها آنفًا أن معاصري الإمام البيهقي من فقهاء الشافعية سلكوا في قبول الأحاديث والاحتجاج بها مسلكًا يناهض منهج إمامهم الشافعي وغيره من المتقدمين من أصحاب الحديث والأثر. وعلى الرغم من دفاع الإمام البيهقي عن المحدثين النقاد و منهجهم في التصحيح والتضعيف، وقبول الإمام الجويني ذلك منه بحفاوة ورحب صدر، فإن اللاحقين من الفقهاء استمروا في تساهلهم في تصحيح الأخبار وقبولها والاحتجاج بها.

ويتجلى ذلك بوضوح بما قاله ابن الجوز ي:"فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصا ً عند قلة الطلاب، لا سيما لعلم النقل،فإنه أعرض عنه بالكلية حتى إن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة"يعني: أنهم يستدلون بالأحاديث الموضوعة 19. والله أعلم.

وقال في موضع آخر:"رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح، ويعرض عن الصحاح، ويقلد بعضهم بعضًا فيما ينقل"20

وقال الإمام النووي"وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه (يعني ما رواه الضعفاء) فليس بصواب بل قبيح جدًا، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به، فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا. والله أعلم"21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت