فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 351

العفة والورع بقدر ما يكتسب من تقدير وقدرة وإمكانية) [1] ، ولا بد أن يميز الدعاة (زهدهم في زخارف الدنيا، وفضول العيش، ونهامة المادة، ومرض التكاثر، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا فيمن يخاطبونهم، ويحملون على إيثار الدين على الدنيا، والآجلة على العاجلة، وتلبية نداء الضمير والإيمان على نداء المعدة والنفس والشهوات، وذلك لأن الناس ما زالوا ولا يزالون مفطورين على الإجلال لشيء لا يجدونه عندهم ... فإذا رأى الناس علماء ودعاة لا يقلون عنهم في حب المادة، والجري وراءها، والتنافس في الوظائف والمناصب, والإكثار من الثراء والرخاء، والتوسع في المطاعم والمشارب، وخفض العيش ولين الحياة فإنهم لا يرون لهم فضلًا عليهم، وحقًا في الدعوة إلى الله، وإيثار الآخرة على الدنيا، والتمرد على الشهوات، والتماسك أمام المغريات، وقد قيل فاقد الشيء لا يعطيه وهذا هو سمت أهل العلم والإيمان ذكره الله جل وعلا لنا في قصة قارون يوم خرج على قومه في زينته، فتاقت إلى حاله ودنياه نفوس الضعفاء لأن قلوبهم خواء، وجاء الجواب حاسمًا من أهل العلم والإيمان لأن في قلوبهم غناء {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا وما يلقاها إلا الصابرون} القصص [80]

وتكتمل شخصية الداعية ويعظم تأثيره إذا ضم إلى الاستغناء العطاء، وما الدعوة إلاَّ عطاء دائم يبذل فيه الداعية من مشاعره ومن وقته ومن ماله ومن جاهه ومن وقوته ومن حيلته حتى يبلغ الغاية ببذل نفسه وإعطاء روحه جهادًا في سبيل الله وتضحية من أجل الدعوة إلى الله {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} آل عمران [92] ،التاريخ يشهد أن الدعاة إذا اغتنت قلوبهم بالمعاني الإيمانية واستغنت عن المتع الدنيوية استسهلوا الصعب غير مستثقلين، وركبوا الأخطار غير عابئين وواجهوا الأخطار غير خائفين، لا تثنيهم رهبة، ولا تستميلهم رغبة

(1) مع الله ص 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت