وقال أبو يعلى الفراء: وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه. أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث ..ا.هـ [1] وقال ابن تيمية:الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة، أو بعدهم، وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين، ثم هذا منه نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي، وهو كالإجماع السكوتي، أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف. ا.هـ [2] وقال ابن القيم: ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده . ا.هـ [3] .
والقول بأن الإمام أحمد أراد هذا في حق من ليس له معرفة بالأقوال فتعجل وحكى الإجماع قوي، كما قال أبو يعلى وقريب منه ما ذكره ابن القيم، وقد يقال: إن الإمام أحمد أراد بنفيه لإجماع ما بعد القرون المفضلة إذ بعدهم يستحيل استقراء أقوال أهل العلم لاتساع الخلاف. وعلى كلٍ فليس لأحد أن يقول في مسألة بقول إلا وله فيها إمام، كما قال الإمام أحمد - رحمه الله - [4] .
(1) العدة (4/ 1060 ) .
(2) المسودة ص 316.
(3) أعلام الموقعين ( 1/ 30) .
(4) انظر أعلام الموقعين (4/266) المدخل لابن بدران ص119.