فهرس الكتاب
وذكر الإمام ابن القيم عن الصحابة كلامًا يفيد في بيان الفارق بين الصحابة ومن بعدهم، ومثل هذا من بعض الوجوه يصلح للتفريق بين من بعد الصحابة بالنسبة لمن بعدهم وهكذا ... قال - رحمه الله-: فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران، أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهمهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وافاها بذهن كالّ وقوة ضعيفة ا.هـ [1] فإذا عرفت ما سبق تقريره عرفت أن الموجب لهذا التقسيم تقريب العلم، وأن الداعي له لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لذا لم يفعلوه، ومثل هذا لا يوصف بالبدعة إلا عند من يهرف بما لا يعرف .
2/ ليس في تقسيم العلوم إلى ما سبق، أو التوحيد إلى أقسامه الثلاثة أي ضرر ؛ لأنه تقسيم استقراء لما هو مذكور في الكتاب والسنة، وليس فيه إيجاد شيء لم يكن موجودًا .
(1) أعلام الموقعين (4/ 149) .