فهرس الكتاب
-ثم قال- ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون . وقد تبين أنه ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم . - ثم قال - فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده، فإذًا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام. ا.هـ [1] وقال: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن، كما قال له موسى { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } (الاسراء: من الآية102) وقال تعالى عنه وعن قومه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } (النمل: من الآية14) ا.هـ [2] .
من كلام ابن تيمية السابق والأدلة التي أوردها يتبين أن كفار قريش كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وإن كان في الكفار المعادين لإبراهيم عليه السلام من أنكر الربوبية، لكن ليسوا من كفار قريش، فابن تيمية لم يعمم كلامه، وإنما كلامه في كفار قريش. ثم هؤلاء المنكرون لوجوده قلة، وإنكارهم مكابرة، وإلا فهم مستيقنون به في أنفسهم . وقد ذكر ابن كثير أن ملك بابل نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم عليه السلام كان معاندًا مكابرًا [3] .
(1) التدمرية ص 176 .
(2) درء تعارض العقل والنقل (8/38) .
(3) التفسير (1/686 ) .