ووقف رجل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، صل رحمك وارحم أقاربك وارحم رجلًا من أهلك.
فقال الواثق: من أنت، فإني لا أعرفك قبل اليوم؟.
قال: ابن جدك آدم.
فقال: يا غلام، أعطه درهمًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أصنع بالدرهم؟ قال: أرأيت لو قسمت المال بين إخوتك أولاد جدي أكان ينوبك منه حبة.
فقال: لله درك ما أذكى فهمك.
فأمر له بعطاء وانصرف مكرمًا.
حكى عنه أنه قال ذات يوم لأبي العيناء: ما أشد ما مر عليك في ذهاب عينيك؟ فقال: فقد رؤيتك يا أمير المؤمنين.
فاستحسن منه هذا الجواب وأمر له بجائزة نفيسة.
ومما حكاه أبو القاسم علي بن محمد الذهبي عن أبي عبد الله النحوي، قال: لما حج محمد بن عبد الله بن طاهر رأى في الطواف جارية في نهاية الحسن فسأل عنها، فقيل: إنها لرجل من الأدباء قد رواها الأشعار والأخبار والنحو والعروض، وقد أحسنت ضرب العود وطريق الغناء، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قدم بها مدينة دار السلام شغف بها شغفًا شديدًا وأخفى أمرها، وما يجده منها تخوفًا من أمير المؤمنين المتوكل. وكان من شدة وجده بها يحتبس عندها أيامًا لا يظهر للناس، فيظنون أنه زمن وأمره معها مستور، ففطن به سويد بن أبي العالية صاحب البريد، وكان بينه وبين محمد منافرة، فلم يجد ما يكيده به إلا أن كتب إلى المتوكل وهو نازل على أربعة فراسخ من بغداد، كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن محمد بن عبد الله اشترى جارية بمائة ألف درهم، فهو يصطبح معها ويغتبق زمانه كله معها، وقد اشتغل بها عن النظر في أمور المسلمين وعن التوقيع في قصص المظلومين، ولا يأمن أمير المؤمنين