بعضهم بعضًا، وجعل طاعته عليهم فرضًا وأنزلهم منزلة الأولاد، وأذهب ما بينهم من الأحقاد، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في الأخرى، أغنى القاصد وأرضى الوارد، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون النظر إلى وجهه الكريم والسلام.
فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه وقال لوزيره: إن فلانًا لم يكن عندي بمتهم، فإن كتابه هذا يدل على ظلم العامل، فالتمس لي رجلًا يصلح لعمله، فإني قد عزلته.
فقال الوزير: أصلح الله الملك، وكيف ذلك؟ قال: لأن قوله آخذًا بالحزم عاملًا بالعزم أي أنه خائف مني لما اعتمده في الولاية، وأما قوله ساوى بين رعيته وعدل بينهم في أقضيته، فمعناه أنه لم يخص أحدًا بظلمه بل الجميع سواء، وقوله: وأرضى بعضهم بعضًا: أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد، وقوله: أنزلهم منزلة الأولاد، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذًا من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أنت ومالك لأبيك". وقوله: وأراحهم من السعي في الدنيا، معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون. وقوله: فرغهم للعمل في الأخرى، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم. وقوله: أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه، أي أنه أعطاه مالًا ليكتب إلي بذلك. وأما قوله: فجميع أهل عمله داعون لنا، معناه أن يبصرنا الله بأمرهم، ونطلع على ما هم فيه. وقوله: يودون النظر لوجهنا أي يشكون إلينا ما لقوه منه ويستغيثون بنا.
ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه وأنصف الناس منه ورد عليهم ما كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه فيه القصاص، وقابله على فعله والله أعلم.