فهرس الكتاب

الصفحة 6152 من 11044

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ فِي [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: 10] ، وَقَوْلُهُ: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ فِي [سُورَةِ يُوسُفَ: 56] .

وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ مَا هُوَ مقرّر من شؤون الدِّينِ: إِمَّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَهُوَ مَا يُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَسْتَوِي فِي الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مِنَ الدِّينِ سَائِرُ الْأُمَّةِ. وَإِمَّا بِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا لِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَهُوَ دَقَائِقُ الْأَحْكَامِ فَيَأْمُرُ بِهِ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَعْلَمُوهُ وَهُمُ الْعلمَاء على تفوت مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَمَرَاتِبِ عُلَمَائِهِ.

وَالْمُنْكَرُ: مَا شَأْنَهُ أَنْ يُنْكَرَ فِي الدِّينِ، أَيْ أَنْ لَا يُرْضَى بِأَنَّهُ مِنَ الدِّينِ. وَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَدْخُلُ فِي أُمُورِ الْأُمَّةِ وَالشَّرِيعَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُنْكَرِ الْأَعْمَالُ الَّتِي يُرَادُ إِدْخَالُهَا فِي شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لَهَا، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ النَّاس فِي شؤون عَادَاتِهِمْ مِمَّا هُوَ فِي مِنْطَقَةِ الْمُبَاحِ، وَلَا مَا يَفْعَلُونَ فِي شؤون دِينِهِمْ مِمَّا هُوَ مِنْ نَوْعِ الدِّيَانَاتِ كَالْأَعْمَالِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ كُلِّيَّاتٍ دِينِيَّةٍ، وَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَجَالَاتِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ.

وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ آيِلٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ آيِلٌ إِلَى النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنَّمَا جمعت الْآيَة بَينهمَا بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ مَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ نفوس النَّاس عِنْد مُشَاهَدَةِ الْأَعْمَال، ولتكون معرفَة الْمَعْرُوف دَلِيلًا عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَبِالْعَكْسِ إِذْ بِضِدِّهَا تَتَمَايَزُ الْأَشْيَاءُ، وَلَمْ يَزَلْ مِنْ طُرُقِ النَّظَرِ وَالْحِجَاجِ الِاسْتِدْلَالُ بِالنَّقَائِضِ وَالْعُكُوسِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت