فهرس الكتاب

الصفحة 7504 من 11044

تَتَضَاءَلُ مِنَ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ حَتَّى يُصْبِحَ مَعْنَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى قَرِيبًا فِي النُّفُوسِ مِنْ حَقَائِقِ الْمُجَرَّدَاتِ كَالْمَلَائِكَةِ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ الْحِجَابِ الَّذِي سَنَّهُ النَّاسُ لِمُلُوكِهِمْ فِي الْقِدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْخَلَ لِطَاعَتِهِمْ فِي نُفُوسِ الرَّعِيَّةِ.

وَبِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ الْآيَة الَّتِي تقدمتها مِنْ قَوْلِهِ: يَا نسَاء النبيء لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الْأَحْزَاب: 32] تَحَقَّقَ مَعْنَى الْحِجَابِ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرَكَّبِ مِنْ مُلَازَمَتِهِنَّ بُيُوتَهُنَّ وَعَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِهِنَّ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهُوَ حِجَابٌ خَاصٌّ بِهِنَّ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِنَّ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَعًا وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْعَادَاتِ، وَلَمَّا أَنْشَدَ النُّمَيْرِيُّ عِنْدَ الْحَجَّاجِ قَوْلَهُ:

يُخَمِّرْنَ أَطْرَافَ الْبَنَانِ مِنَ التُّقَى ... وَيَخْرُجْنَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُعْتَجِرَاتٍ

قَالَ الْحَجَّاجُ: وَهَكَذَا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ.

وَدَلَّ قَوْلُهُ: لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَوَجِّهٌ لِرِجَالِ الْأمة ولنساء النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ ألحق بِأَزْوَاج النبيء عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ فَلِذَلِكَ لَمَّا خَرَجُوا بِجِنَازَتِهَا جَعَلُوا عَلَيْهَا قُبَّةً حَتَّى دفنت، وَكَذَلِكَ جعلت قُبَّةٌ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا.

لَمَّا جِيءَ فِي بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْمُكْثِ فِي بيُوت النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يُؤْذِيِهِ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أَذَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهْيًا عَامًا، فَالْخِطَابُ فِي لَكُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُفْتَتَحِ بِخِطَابِهِمْ آيَةُ: يَا أَيُّهَا

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ

النبيء إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الْآيَةَ.

وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ أَوْ هِيَ وَاوُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ جُمْلَةِ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا وَجُمْلَةِ لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الْأَحْزَاب: 55] .

وَدَلَّتْ جُمْلَةُ مَا كانَ لَكُمْ عَلَى الْحَظْرِ الْمُؤَكَّدِ لِأَنَّ مَا كانَ لَكُمْ نَفْيٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّامُ، وَإِقْحَامُ فِعْلِ كانَ لِتَأْكِيدِ انْتِفَاءِ الْإِذْنِ. وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْ صِيَغِ شِدَّةِ التَّحْرِيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت