آفاته كثيرة ومتنوعة، ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت، فلنذكر أولًا فضيلة الصمت، ثم نتبعه الآفات مفصلة إن شاء الله تعالى.
اعلم: أن الصمت يجمع الهمة ويفرغ الفكر.
وفى الحديث، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"من يضمن لى ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة".
وفى حديث آخر:"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" [1] .
وفى حديث معاذ في آخره:"كف عليك هذا"فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال:"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، ألا حصائد ألسنتهم؟".
وفى حديث آخر:"من كف لسانه ستر الله عورته" [2] . وقال ابن مسعود: ما شيء أحوج إلى طول سجن من لساني.
وقال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعلت لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تتكلم به.
وقال مخلد بن الحسين: ما تكلمت منذ خمسين سنة بكلمة أريد أن أعتذر منها.
الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنى.
واعلم: أن من عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، لم ينفقه إلا في فائدة، وهذه
(1) أخرجه ابن أبى الدنيا في"الصمت"من حديث أنس، وفى سنده على بن مسعدة، قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة.
(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في"الصمت"من حديث ابن عمر، وفيه هشام بن أبي إبراهيم قال الذهبي في"الميزان": مجهول، وباقي رجاله ثقات، ومع ذلك فقد حسن إسناده العراقي.