الصفحة 34 من 58

وقد ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو قومه إلى الإسلام، فيلقون دعوته بالاستهزاء، وقرآنه باللغو فيه والتكذيب، وآياته بالتعنت والعناد، وأصحابه بالأذى والعذاب، فما لانت له قناة، ولا انطفأ في صدره أمل، ولما اشتد أذى المشركين لأصحابه أمرهم بالهجرة إلى الحبشة.

وجاءه أحد الصحابة خباب بن الأرت رضي الله عنه وكانت مولاته تكوي ظهره بالحديد المحمي، فضاق بهذا العذاب المتكرر ذرعًا، وقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - في ألم: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحبه، داعيًا إياه إلى الصبر على بأساء اليوم أملًا في نصر الغد: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيُحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» [1] .

وقد جاءه ملك الجبال عليه السلام بعد رحلة الطائف الشاقة، وقال له: لقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك؛ فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال - صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا» [2] .

(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإكراه، ح (6943) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، ح (3231) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، ح (1795) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت