الصفحة 20 من 31

مما يكفل للأمة أمنها وسلامتها من الأضرار والشرور الوخيمة، والإبقاء على عقول البشر لتُصرِف تفكيرها فيما يعود عليها وعلى غيرها بكامل الخير والمصلحة، وذلك أكبر مثال على كمال هذه الشريعة، وتضمُنها لمصالح العباد.

وهكذا أيضًا شرع عقوبة السارق بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [1] .

ذلك أنَّ السارق يهتك الأستار والحروز، ويكسر الأقفال ويتسلَّق الحيطان، ويصعب التحصُّن والتحرُّز من شرِّه وضرره، فكانت عقوبته قطع يده، تلك اليد الآثمة المتعدية الظالمة، حيث إنَّ جنايته تتوقَّف على العمل باليد غالبًا، فكان بقاء هذا العضو المعتدي مما ينشر الوباء ويخلُّ بالأمن والاطمئنان على الأموال التي لها وقع في النفوس فأخذها عدوانًا وظلمًا مما يوقع الخوف والقلق في القلوب؛ فشرع إزالة هذا العضو الذي ينشر الوباء والمرض العضال بين الناس.

وكما اشتمل الشرع على هذه العقوبات الزواجر التي يحصل بتطبيقها كمال الأمن ورخاء العيش فقد شرع عقوبات أخرى غير مقدَّرة بعددٍ أو نوع، تسمى تعزيرًا وتأديبًا، يُعاقَب بها من اقترف ذنبًا أو ارتكب جرمًا لا حدَّ فيه، مما يتعلق بالأديان أو الأبدان أو الأموال، وتتفاوت تلك العقوبات بتفاوت الجرائم والمجرمين، وكلّ هذه العقوبات - مقدَّرة أو غير مقدَّرة - تتَّضح فيها حِكمة الشرع الشريف، ويتضح لكلِّ ذي قلبٍ سليمٍ أنه دين سماوي جاء بتحصيل المصالح وتكميلها، وإلغاء المفاسد وتقليلها.

كما أنه أيضًا تعرَّض لشرح الآداب والأخلاق الرفيعة، وحثَّ على الاتصاف بالسمات الشريفة التي فُطرت القلوب على استحسانها، وحُب من خُلق بها، والنفور من أضدادها، ومقت أهلها، وبغضهم والبعد عنهم، فإنَّ الله تعالى فطر الخلق على استحسان السِّمات الطيبة التي وُجد بعضها قبل الإسلام، كأغلب خصال الفطرة التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «عشر من الفطرة: فص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم [2] ،ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء ... إلخ» [3] ، وفي الباب أحاديث كثيرة بهذا المعنى، وهذه الخصال يستسيغها العقل السليم، ويشهد بملاءمتها له، لذلك يحافظ العقلاء على تطبيقها، وإنما يخالفها من انتكست فطرته؛ فاستقبح الحسن،

(1) سورة المائدة، آية: 38.

(2) البراجم: جمع (بَرْجُمَة) ، وهي مفاصل الأصابع أو العظام الصغار في اليد والرجل.

(3) أخرجه مسلم (3/ 143) في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء» .

قال زكريا: قال مصعب: ونُسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة.

زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء.

وأخرجه أبو داود (53) في كتاب: الطهارة باب السواك من الفطرة، والترمذي (2757) في كتاب الأدب، باب: ما جاء ف تقليم الأظفار، والنسائي (5055 - 5056 - 5057) في كتاب الزينة، باب: الفطرة، وأحمد (25051) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت