وذكر كلامًا طويلًا إلى أن قال: «فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم ينتفع بالعلم، فبينا هو مقارب لهذه الأخلاق إذ رغب نفسه في حب الشرف والمنزلة فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا، فأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من رخاء عيشهم من منزل بهي ومركب هني وخادم شرب ولباس لين، وفراش ناعم وطعام شهي، وأحب أن يُغشى بابه، وأن يسمع قوله ويطاع أمره فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء وطلبه، فلم يمكنه إلا ببذل دينه، فتذلل للملوك وأتباعهم، فخدمهم بنفسه وأكرمهم بماله وسكت عن قبيح ما ظهر من مناكيرهم على أبوابهم وفي منازلهم من أفعالهم وقولهم وفعلهم، ثم قد زين لهم كثيرًا من هذا مدة طويلة واستحكم فيه الفساد ولوه القضاء فذبح بغير سكين، فصارت لهم عليه منة عظيمة وجب عليه شكرهم، فألزم نفسه ذلك لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن القضاء، ولم يلتفت إلى غضب مولاه؛ فيقطع أموال اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين وأموال الوقف والمجاهدين وأهل الشرف بالحرمين وأموالًا يعود نفعها على جميع المسلمين، فأرضى بها الكاتب والحاجب والخادم، فأكل الحرام وأطعم الحرام، وكثر الداعي عليه، فالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق، وهذا العلم هو الذي استعاذ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر أن يستعاذ منه، وهذا العالم الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه» [1] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن
(1) الطبراني (في الصغير) رقم (507) وقد روي موقوفًا بإسناد صحيح. انظر الأحاديث الضعيفة رقم (1634) .