الصفحة 17 من 41

ذم طلب المدح والتعظيم من الناس:

ومن هذا الباب أيضًا أن يحب ذو الشرف والولاية أن يحمد على أفعاله ويثني عليها، ويطلب من الناس ذلك، ويتسبب في أذى من لا يجيبه إليه، وربما كان ذلك الفعل إلى الذم أقرب منه إلى المدح، وربما أظهر أمرًا حسنًا في الظاهر وأحب المدح عليه وقصد به في الباطن شرًا وقصد بتمويه ذلك وترويجه على الخلق، وهذا يدخل في قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ}

[آل عمران: 188] . فإن هذه الآية إنما أنزلت فيمن هذه صفته، وهذه الصفة - أعني طلب المدح من الخلق ومحبته والعقوبة على تركه - لا يصلح إلا لله وحده لا شريك له، ومن هنا كان أئمة الهدى ينهون عن حمدهم على عدلهم وما يصدر منهم من الإحسان إلى الخلق، ويأمرون بإضافة الحمد على ذلك لله وحده لا شريك له، فإن النعم كلها منه.

وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديد العناية بذلك، وكتب مرة إلى أهل الموسم كتابًا يُقرأ عليهم، وفيه الأمر بالإحسان إليهم وإزالة المظالم التي كانت عليهم، وفي الكتاب: «ولا تحمدوا على ذلك كله إلا الله، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري ... » .

وحكايته مع المرأة التي طلبت منه أن يفرض لبناتها اليتامى مشهورة، فإنها كانت لها أربع بنات ففرض لاثنتين منهن وهي تحمد الله، ثم فرض للثالثة فشكرته، فقال: إنما كنا نفرض لهن حيث كنت تولين الحمد أهله، فمري هذه الثلاث يواسين الرابعة .. أو كما قال رحمه الله.

والمقصود أن يعرف أن ذا الولاية إنما هو منتصف لتنفيذ أمر الله، فهو يقصد أن يكون الدين كله لله، وأن تكون العزة لله، وهو مع ذلك خائف من التقصير في حقوق الله تعالى أيضًا.

فالمحبون لله غاية مقاصدهم من الخلق أن يحبوا الله ويطيعوه ويفردوه بالعبودية والإلهية، فكيف من يزاحمونه في شيء من ذلك، فهو لا يريد من الخلق جزاءً ولا شكورًا، وإنما يرجو ثواب عمله من الله، كما قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79، 80] .

وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مرين، إنما أنا عبد الله ورسوله» [1] .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينكر على من لا يتأدب معه في الخطاب بهذا الأدب، كما قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا:

(1) البخاري رقم (3445) ، (68630) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت