هذه المنزلة عند الخلق وملازمتها وتربيتها والخوف من زوالها؛ كان ذلك حظه من الله تعالى وانقطع به عنه، فهو كما قال بعضهم: «ويل لمن كان حظه من الله الدنيا» .
وكان السري السقطي يعجبه ما يرى من علم الجنيد وحسن خطابه وسرعة جوابه فقال له يومًا وقد سأله عن مسألة فأجاب وأصاب: أخشى أن يكون حظك من الدنيا لسانك. فكان الجنيد لا يزال يبكي من هذه الكلمة.
ومن اشتغل بتربية منزلته عند الله تعالى بما ذكرنا من العلم الباطن وصل إلى الله فاشتغل به عما سواه، وكان له في ذلك شغل عن طلب المنزلة عند الخلق، ومع هذا فإن الله يعطيه في قلوب الخلق والشرف عندهم، وإن كان لا يريد ذلك ولا يقف معه بل يهرب منه أشد الهرب ويفر أشد الفرار خشية أن يقطعه الخلق عن الحق جل جلاله، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96] .. أي في قلوب عباده.
وفي الحديث: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريل! إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، ثم يحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» [1] .
طلب شرف الآخرة يحصل معه شرف الدنيا:
(1) البخاري (3209) ، (6040) ، (7485) ، ومسلم (2637) ، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.