الصفحة 19 من 109

قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} :

الواو: استئنافية، و «إذا» : ظرفية شرطية غير عاملة.

قوله: «ضربتم» : فعل الشرط، والخطاب للمؤمنين، لأنهم هم أمة الإجابة، المخاطبون بالتكاليف الشرعية. والضرب في الأرض هو السفر فيها [1] ، قال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [2] .

أي: يسافرون في الأرض لطلب الرزق من الله، وسمي السفر ضربًا في الأرض أخذًا من ضرب المسافر الأرض برجليه وعصاه وقوائم دابته [3] ، أو أخذًا من ضرب المسافر لدابته حال السفر.

قال ابن العربي [4] : «وما أظنه سمي به إلا لأن الرجل إذا سافر ضرب بعصاه دابته، ليصرفها في السير على حكمه، ثم سمي به كل مسافر» .

ويؤيد هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في أبي جهم: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه» [5] .

بمعنى أنه كثير الأسفار، أو بمعنى أنه ضراب للنساء [6] .

وقيل: سمي السفر ضربًا في الأرض أخذًا من ضرب الأقدام على الأرض [7] .

وسواء كان السفر مشروعًا كالسفر للحج أو للجهاد، أو مباحًا كالسفر لطلب الرزق والتجارة، قال تعالى: {وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [8] .

أو كان السفر محرمًا كالسفر لقطع الطريق ونحو ذلك [9] ، وذلك لإطلاق الضرب في الأرض في الآية.

قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . هذه جملة جواب الشرط والفاء رابطة لجواب الشرط.

قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} الجناح: الإثم والحرج [10] أي: إثم عليكم ولا حرج أن تقصروا من الصلاة. وهذا لا ينافي كون القصر أفضل من الإتمام؛ بل ولا ينافي كون القصر واجبًا، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [11] ، والسعي عند عامة أهل العلم إما ركن وإما واجب، فنفي الجناح عمن قصر الصلاة لإزالة ما قد يتوهم

(1) انظر «المحرر الوجيز» 4/ 232، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 351، «تفسير ابن كثير» 2/ 347.

(2) سورة المزمل، آية: 20.

(3) انظر «تفسير المنار» 5/ 363.

(4) في «أحكام القرآن» 1/ 483.

(5) أخرجه مسلم في الطلاق 1480، وأبو داود في الطلاق 2284، والنسائي في النكاح 3245، والترمذي في النكاح 1135، وابن ماجه في النكاح 1869، ومالك في الطلاق 1234، والدارمي في النكاح 2177 - من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.

(6) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي 10/ 97.

(7) انظر «النكت والعيون» 1/ 408.

(8) سورة المزمل، آية: 20.

(9) في الترخص برخص السفر إذا كان السفر محرمًا خلاف سيأتي في الأحكام.

(10) انظر «جامع البيان» 9/ 123.

(11) سورة البقرة، آية: 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت