تقديم الاهتمام بترك المنهيات على الاهتمام بفعل المأمورات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) متفق عليه، فهذا يؤخذ منه أنَّ النَّهيَّ أشدُّ من الأمر؛ لأنَّ النَّهيَّ لم يُرَخَّصْ في ارتكاب شيء منه، والأمر قُيِّدَ بحسب الاستطاعة، ورُوي هذا عن الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: (اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعبدَ النَّاسِ) رواه الترمذي. وقالت عائشة رضي الله عنها: من سرَّه أنْ يسبق الدائبَ المجتهدَ فليكفَّ عن الذنوب. وقال الحسن: ما عبد العابدون بشيءٍ أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه. وقال ميمون بن مِهران: ذكرُ اللهِ باللسان حسن، وأفضلُ منه أنْ يذكر اللهَ العبدُ عندَ المعصية فيمسك عنها.
ويشبه هذا قول بعضهم: أعمال البِرِّ يعملُها البرُّ والفاجرُ، وأمَّا المعاصي فلا يتركها إلا صِدِّيق. وقال بعض السَّلفِ: تركُ دانق مما يكره الله أحبُّ إليَّ من خمس مئة حجة.
وقال ابنُ المبارك: لأنْ أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّقَ بمئة ألفٍ ومئة ألف، حتّى بلغ ست مئة ألف [1] .
وقال مَالِكُ بنُ دِينَارٍ: لَأنْ يَترُكَ الرَّجُلُ دِرْهَمًا حَرَامًا خَيرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَتَصَدَّقَ بمئة أَلْفِ دِرْهَمٍ [2] .
وقال سفيان الثَّورِي: كُلِ الحَلالَ وَصَلِّ آخِرَ الصُّفُوفِ تُقْبَلُ مِنْكَ، وَلَا تَأكُل حَرَامًا وَتُصَلِّي أَوَّلَ الصُّفُوفِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْكَ [3] .
(1) ـ انظر: جامع العلوم والحكم شرح الحديث التاسع.
(2) ـ رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم 5: 125.
(3) ـ رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم 5: 127.