و شهد له الزبير بن العوام، حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة قال: قال لي أبي الزبير: ادنني من هذا اليماني -يعني أبا هريرة- فإنه يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث و جعل الزبير يقول: صدق، كذب، صدق، كذب! قال: قلت: يا أبت ما قولك: صدق كذب؟ قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا شك، و لكن منها ما يضعه على مواضعه و منها ما وضعه على غير مواضعه (44) .
و أخرج البخاري في »التاريخ « و البيهقي في » المدخل « من حديث محمد بن عمارة بن حزم أنه قعد في مجلس فيه مشيخة من الصحابة بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، فيراجعون فيه حتى يعرفوه، ثم يحدثهم بالحديث كذلك حتى فعل مرارًا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس (45) .
و أخرج أحمد و الترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: كنت ألزمنا لرسول الله و أعرفنا بحديثه. قال الترمذي: حسن (46) .
و قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:"أبو هريرة أكثرهم حديثًا و حمل عنه الثقات" (47) .
و أسند البيهقي في » المدخل « عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال:"أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره" (48) .
و لو ذهبنا نتتبع ما قاله الصحابة و التابعون و من بعدهم في صدق أبي هريرة و حفظه لطال بنا المقام و خرجنا عمَّا قصدنا له من الاختصار.
فقارن بين هذه الشهادات المفصلة و بين ما هول به الكاتب الشانئ من أن الناس كلهم كانوا يستنكرون على أبي هريرة يتبين لك حقيقة الأمر، نعم كان يستنكر عليه بعض الظلمة أمثال مروان بن الحكم و غيره فكان يجيبهم بأجوبة مسكتة و يلقمهم الحجارة فلا يعودون لما قالوا (49) .
( 44) "البداية و النهاية"لابن كثير ( 8/503) .
( 45) "فتح الباري"للحافظ ابن حجر ( 1/283) "التاريخ الكبير" ( 574) و"تاريخ دمشق" ( 29/190) .
( 46) "فتح الباري" ( 1/283) أحمد ( 4453) و الحاكم ( 6167) و صححه و أقره الذهبي.
( 47) "علوم الحديث" ( 296) .
( 48) "تدريب الراوي" ( 2/217) .
( 49) انظر شيئًا من ذلك في"البداية و النهاية" ( 8/502) و"سير النبلاء" ( 4/187) .