العلمانيّون والإسلام
محمد قطب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
صدق الله العظيم
يقوم العلمانيون منذ فترة بحملة واسعة ضد تحكيم الشريعة الإسلامية، وضد الإسلاميين الذين يطالبون بتحكيمها، ويحشدون جهودهم في ذلك كأنما يدرءون خطرًا داهمًا يوشك أن يدهمهم، ويلوّحون في حملتهم بالديمقراطية بديلا من الإسلام ويرددون كثيرا في كلامهم كلمة"التعددية"وكلمة"الآخر"و"الحرية السياسية"و"تداول الحكم".
ويعجب الإنسان من ذلك حين يعلم أن كثيرا من أولئك العلمانيين كانوا شيوعيين يوم أن كانت الشيوعية ذات سطوة وسلطان. فلما انهارت الشيوعية بالسرعة المذهلة التي انهارت بها، لبس أولئك العلمانيون ثياب"الديمقراطية"وصاروا ينادون بها كأنهم من دعاتها منذ نعومة أظفارهم! وقد كانوا في فترة اعتناقهم الشيوعية ينددون بالتعددية الحزبية ويرون فيها الفساد كله. فلما سقطت الشيوعية واحتاجوا إلى تغطية أنفسهم لبسوا ذات الرداء الذي كانوا يلعنونه بالأمس وينددون به!
ويعجب الإنسان كذلك حين يراهم يعارضون تطبيق الشريعة بدعوى أن تطبيقها لا يتيح الحرية للأمة لكي تمارس"حقوقها السياسية"ولا يتيح"للمعارضة"أن تعبر عن مواقفها، ولا يحترم"الآخر".. بينما كانوا بالأمس من أشد أعوان الحكم العسكري الذي يكتم أنفاس الأمة، ويسحق المعارضة سحقًا لا هوادة فيه، ويفرض رأيه على الأمة فرضًا على طريقة الفرعون الذي كان يقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [1] ويجعل فكرة"تداول الحكم"جريمة منكرة لا تخطر إلا في بال الخونة المارقين! ويملأ السجون والمعتقلات بألوف من الرجال والنساء والشباب والشيوخ، ويعذبهم بما لامثيل له في التاريخ كله إلا في محاكم التفتيش!
وربما يزول العجب - أو بعضه على الأقل - إذا أدرك الإنسان أن الذي يحرك العلمانيين أساسًا هو كراهيتهم للشريعة الإسلامية ونفورهم من تطبيقها. ومن ثم يتخذون مواقفهم في الموقع الذي يهاجم الإسلام والإسلاميين، بصرف النظر عن طبيعة ذلك الموقع وحقيقة أفكاره .. ولا يجدون في أنفسهم حرجا أن يغيروا مواقعهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ما داموا في هذا الموقع أو ذاك يدخلون في زمرة قومٍ أعداءٍ للإسلام والإسلاميين، ويشاركونهم في مهاجمة الإسلام والإسلاميين!
ولكنا نضرب صفحًا عن هذا كله، وندخل مع العلمانيين في حوار هادئ جهد الطاقة، نريده أن يكون علميًا بحتًا وموضوعيًا بحتًا، وأن نصل منه معًا إلى حقائق علمية وموضوعية تكشف الغبش الذي غشّى على كثير من الندوات التي قامت في الفترة الأخيرة بين العلمانيين والإسلاميين، ولم تصل إلى شيء في النهاية، لأنها كانت أقرب إلى الصراع الفكري منها إلى البحث الموضوعي، وكان الوقت المخصص لكل متكلم دقائق معدودة لا تتسع لبحث حقيقي، وقصارها أن تعرض وجهة نظر سريعة في جزئية من جزئيات الموضوع.
(1) سورة غافر [29] .