الصفحة 54 من 59

أثبت موقف الغرب - وموقف العلمانيين - من أحداث الجزائر، أن عداءهم للإسلام أشد بكثير من ولائهم للديمقراطية، وإيمانهم بمبادئها.

ونحن نؤمن من زمن بعيد أن الغرب لا أخلاق له، وأن كل تظاهره بالقيم والمبادئ إنما هو رياء، وتنفج بالباطل، أو على أحسن تقدير وَهْمٌ يعيشونه في خيالهم، ليستكملوا في داخل أنفسهم إحساسهم باستحقاقهم السيادة على الأرض، لا بالحديد والنار فقط، ولكن بالقيم والمبادئ أيضا، فيما يسمونه"الحضارة المسيحية!!"..

نؤمن بذلك منذ أمد بعيد. ولكن العلمانيين في بلادنا أصحاب دعوى عريضة - أو وَهْمٍ كبير - أننا نقول هذا الكلام تعصبا منا ضد الغرب، وافتئاتا على حضارته، وعلى قيمه ومبادئه .. التي يكفي منها إيمانه بالديمقراطية!

ثم أحداث الجزائر وتبدى لكل ذي عينين مدى إيمان الغرب بالديمقراطية ..

ثم جاء ما هو أسوأ ..

جاءت أحداث البوسنة والهرسك، وتهرأت بشكل فاضح كل دعاوى القيم والمبادئ، وسقط القناع .. وبدا العداء للإسلام في أقبح صورة يمكن أن تخطر على ذهن بشر .. وبدت المؤامرة العالمية ضد الإسلام والمسلمين مكشوفة بلا قناع.

والعلمانيون سادرون في وهمهم يتحدثون عن الديمقراطية، وعن احترام"الآخر"، ويحاكمون الإسلام إلى تلك المبادئ الزائفة التي لا رصيد لها من الواقع ..

ونترك العلمانيين ومواقفهم التي لا تستند إلى شيء من الحق. ونقول للدعاة الإسلاميين أن يتمثلوا بما أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موقف مشابه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) [1] .

نترك العلمانيين ومواقفهم ونلقي نظرة إلى المستقبل.

على أي شيء تستند هذه"الحضارة"؟

إنها - بلا شك - تستند إلى قوة مادية ضخمة، لم تتوفر بهذه الصورة من قبل في التاريخ.

وهذه القوة المادية تشمل في أطوائها عبقرية تنظيمية هائلة، وجلدا على العمل ومثابرة، وجدية في تناول الأمور، وتصميمًا على الوصول إلى غايات مرسومة .. وتربية دقيقة دءوبة على هذه الخصال.

وكل هذه من أدوات التمكين في الأرض التي قال الله في كتابه العزيز إنه يمكّن أصحابها لفترة من الوقت:

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) [2]

ولكنه - بغير قيم حقيقية - تمكين مؤقت ينتهي إلى البوار ..

و"القيم الحقيقية"ليست شيئًا هلاميًا يتشكل بحسب الأهواء، فإن السنن الربانية لا تتعلق بالأهواء. ولو كان البشر هم الذين يدبرون، وهم الذين يكتبون الأقدار، لكان لأهوائهم ثقل في الميزان. أما وهم لا ينشئون ولا يدبرون، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الفعال لما يريد، فإنا المعايير التي حددها الله سبحانه هي التي تجري بمقتضاها السنن الربانية التي تقرر مصاير الناس في الأرض ..

و"القيم الحقيقية"المعتبرة في ميزان الله، والتي تجري بها السنن الربانية، هي الإيمان بالله الحق، والإيمان بالدين الحق، والعمل الحقيقي بمقتضى المنهج الرباني ..

وأوربا قد"نسيت"ذلك كله منذ أمد بعيد ..

والله سبحانه وتعالى يقول: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [3]

(1) سورة النساء [63] .

(2) سورة هود [15] .

(3) سورة الأنعام [44 - 45] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت