الصفحة 3 من 59

كانت تجربة أوربا مع"الدين"تجربة بئيسة إلى أقصى حد ..

كان الدين بالنسبة إليها ظلاما وجهلا واستبدادًا وغلظة وانصرافًا عن عمارة الأرض (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ .. ) [1] .

ووقر في حس أوربا من خلال تجربتها الخاصة أن هذا هو"الدين"..

ولذلك نفرت منه، ثم هاجمته وأبعدته عن واقع الحياة، وحبسته في نطاق ضيق في ضمائر الناس، إن بقي للناس ضمائر بعد أن أبعدوا عن الدين!

وأوربا في هذا معذورة من ناحية، ولكنها - من ناحية أخرى - غير معذورة.

معذورة في النفور من"ذلك الدين"والسعي إلى تقليص نفوذه ونزع سلطانه وحبسه في أضيق نطاق ممكن ... بل نبذه والخروج عليه جهرة .. ولكنها غير معذورة في أن يكون هذا موقفها من"الدين"بعامة، الصحيح منه وغير الصحيح!

لم تعرف أوربا دين الله الحقيقي الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام، إنما عرفت صورة محرفة منه، هي التي أذاعها بولس"رسول الأمم"، ونشرها في ربوع الأرض، وبخاصة في أوربا.

يقول المؤرخ البريطاني"ويلز":

"وظهر للوقت معلم آخر عظيم، يعده كثير من الثقاة العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية [2] ، وهو شاول الطرسوسي أو بولس .. والراجح أنه كان يهودي المولد، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك [3] ، ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود، بيد أنه كان متبحرًا في لاهوتيات الإسكندرية الهيلينية .. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهلنستية [4] ، وبأساليب الرواقيين [5] ، كان صاحب نظرية دينية ومعلمًا يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل .. ومن الراجح جدا أنه تأثر بالمثرائية، [6] إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية. ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنبًا إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تظهر قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله، كفارة عن الخطيئة [7] . فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية. أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن والمذبح، وسفك الدماء لاسترضاء الإله" [8] .

ويقول أيضا:

"وفي أثناء ذلك الأمد غير المحدد كان يحدث فيما يبدو قدر جسيم من ضرب بعينه من الثيوكرازيا (أي التداخل والمزج بين الآلهة والعقائد المختلفة) بين النحلة المسيحية والعقيدة المثرائية التي تكاد تضارعها في سعة انتشارها بين سواد الشعب، ونحلة سيرابيس إيزيس حورس .."

على أن ما أسهمت به نحلة الإسكندرية في الفكر المسيحي والطقوس المسيحية كان أعظم قدرا أو يكاد .. إذ كان طبيعيا أن يجد المسيحيون في شخصية حورس (الذي كان ابنا لسيرابيس وهو سيرابيس في نفس الوقت) شبيها مرشدًا لهم فيما يبذلون من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم القديس بولس من خفايا .." [9] ."

(1) سورة الحديد [27] .

(2) أي للدين الذي عرفته أوربا.

(3) كما ينكر بعض الكتاب اليهود شخصية عبد الله بن سبأ الموازية في عملها لشخصية بولس، فهذا دخل النصرانية ليفسدها من داخلها، وذاك دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل.

(4) مدارس الفلسفة الإغريقية وخاصة مدرسة الإسكندرية.

(5) مدرسة فلسفية أسسها الفيلسوف زينون مبنية على الزهد في متاع الحياة الدنيا وعدم المبالاة بلذائذ الحس وآلامه.

(6) ديانة فارسية قديمة (عبادة مثرا إله النور)

(7) أي القربان البشري.

(8) كتاب"معالم تاريخ الإنسانية"ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، ج 3. ص 705.

(9) المرجع السابق: ج 3 ص 708 - ص 709.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت