الصفحة 30 من 59

سنناقش بحول الله في هذا الفصل قضيتين أساسيتين ..

القضية الأولى هي أنه إذا كان هناك خلاف بين الديمقراطية والإسلام - وهو كائن بالفعل كما سوف نرى من البحث - فأي شيء يجب على المسلم؟ يأخذ بالديمقراطية أم يطبق الإسلام؟

بعبارة أخرى: هل يُعْرَض الإسلام على الديمقراطية لتقبل منه ما تقبل وترفض منه ما ترفض؟ أم تعرض الديمقراطية عل الإسلام ليقبل منها ما يقبل ويرفض منها ما يرفض؟

والقضية الثانية: هل يصلح النموذج الأوروبي - أي النموذج العلماني - ليكون منهجا لحياتنا، ولحياة البشرية؟ وإذا لم يكن يصلح فما البديل؟!

لعل القضية الأولى واضحة:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [1] .

ولكن لأن الجدل يدور حولها في غربة الإسلام الثانية فنحن نناقشها مع الذين يجادلون في أمرها، كما كان القرآن يناقش غبش التصورات الفاسدة في العقيدة والعبادة والتشريع في الجاهلية الأولى.

إن كون الشريعة ملزمة للمسلم الذي ينطق بفمه شهادة"لا إله إلا الله محمد رسول الله" (ولو كان ينطقها نفاقا!) ، وكون التشريع بغير ما أنزل الله مخرجًا من الملة، قضية مجمع عليها من علماء الأمة جميعا، لم يشذ أحد عنها، ولا يجرؤ أحد أن يشذ!

وهي قضية مختلفة في بعض جوانبها عن قضية الحكم بغير ما أنزل الله، لذلك لزم التنويه إليها ..

ليس كل من يحكم بغير ما أنزل الله خارجا من الملة .. فقد يكون متأولا، وقد يكون مخطئا في اجتهاده، وقد يكون عاصيا آثما كالقاضي الذي يرتشي ويحكم في القضية التي بين يديه بغير ما أنزل الله.

ولكنه حين يشرع بغير ما أنزل الله (أي يحل ويحرم بغير ما أنزل الله) فهو خارج من الملة بإجماع ..

لقد جعل الله المحك الذي يكشف نفاق المنافق ويخرجه من الإيمان الإعراض عن شريعة الله ..

(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [2] .

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) [3] .. (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [4] .

(1) سورة الأحزاب [36] .

(2) سورة النور [47 - 51] .

(3) سورة النساء [60] .

(4) سورة النساء [65] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت