الصفحة 31 من 59

ففي الآيات الأولى قوم يزعمون الإيمان بالله ورسوله، ويزعمون فوق ذلك أنهم مطيعون لله ورسوله (وورد في آيات أخرى في سورة النساء أنهم يؤدون الشعائر كذلك وإن كان على كسل وتراخ [1] ثم يُدْعَوْن إلى شريعة الله ليتحاكموا إليها فيعرضون عنها ويطلبون التحاكم إلى غيرها، فينفي الله عنهم الإيمان نفيا باتا:"وما أولئك بالمؤمنين"ثم يبين الله موقف المؤمنين من هذا الأمر، وهو أنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى شريعة الله يقولون"سمعنا وأطعنا"ويسارعون إلى التنفيذ.

وفي الآيات الثانية قوم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو الوحي المشتمل على شريعة الله في الكتاب والسنة، وما أنزل من وحيٍ قبل ذلك، ثم هم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به (والطاغوت كما قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره:"كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا ما كان من شيء" [2] ويبين سبحانه وتعالى أنهم بذلك خارجون من الإيمان، وأنهم لا يؤمنون حتى يحكموا شريعة الله راضية بها نفوسهم، مطمئنة بها قلوبهم، عالمين أنها هي الخير، وهي الحق، وهي الصراط المستقيم ..

ويلاحظ التشديد الواضح في عبارة الآية الكريمة بالقسم مع النفي"فلا وربك لا يؤمنون .."والتوكيد الذي تتضمنه لفظة"ثم""ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت"والتوكيد بعد ذلك بالمفعول المطلق"ويسلموا تسليما".. وكل ذلك لإظهار بشاعة الجريمة التي يرتكبها هؤلاء بإرادتهم التحاكم إلى غير شريعة الله .. وبيان أنها قضية تتصل بأصل العقيدة، لأن الإيمان منفي بتاتًا عن مرتكب ذلك الجرم الشنيع. وقد سبق أن بينا في الفصل السابق أن التشريع بغير ما أنزل الله هو أحد جذور الشرك الثلاثة الكبرى، يتساوى في جرمه مع اعتقاد آلهة أخرى مع الله، وتوجيه شيء من العبادة لغير الله.

ولو أن هؤلاء استسلموا لشريعة الله على كره في دخيلة نفوسهم وريبة فإنهم لا يحققون"الإيمان"الذي يتطلبه الله من عباده ويدخلهم به جنته، ولكنهم - في الدنيا - يعتبرون مسلمين بحسب الظاهر من أمرهم كما قال الله عن الأعراب: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [3] ولكنهم وقد أظهروا إرادتهم التحاكم لغير شريعة الله فقد انتفى عنهم الإيمان والإسلام كلاهما ويطبق عليهم حد الردة في الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله. فإن أرادوا أن يتوبوا ويدخلوا في الإيمان الحق، فقد وجب عليهم أن ينفذوا الشروط الواردة في الآية بحذافيرها، وهي التحاكم إلى شريعة الله عن رضا وتسليم واقتناع.

(1) قال تعالى"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" [سورة النساء: 42] .

(2) تفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر 5/ 419 الطبعة الثالثة، دار المعارف بمصر.

(3) سورة الحجرات [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت