إذا كانت تجربة أوربا مع دينها هي تلك التجربة البئيسة التي انتهت بها إلى العلمانية فإن دين الله ليس كذلك. لم يكن كذلك حين أنزل من عند الله، ولم يكن كذلك في التطبيق العملي في الواقع التاريخي.
يقول تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) [1] .
هو إسلام الوجه لله، وعبادته وحده دون شريك، واتخاذ أوامره وتعليماته منهجا للحياة.
وهذا الوصف لدين الله ليس خاصا برسالة معينة من الرسالات السماوية، بل هو وصف لكل رسالة أنزلت من عند الله من لدن آدم ونوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه أشد ما يكون انطباقا على الرسالة الخاتمة التي أنزلت على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تمت بها النعمة الربانية واكتمل الدين:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) [2] .
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ .. ) [3] .
كل رسالة جاءت من عند الله كانت عقيدة وشعيرة وشريعة ومنهج حياة [4] .
فأما العقيدة فلم تتغير على مدى الرسالات كلها، وليس من شأنها أن تتغير. لا إله إلا الله. اعبدو الله ما لكم من إله غيره.
وأما الشعائر من صلاة وصيام وزكاة فلم تتغير في عمومها، وإن اختلفت تفصيلاتها وهيئاتها من رسالة إلى رسالة عبر التاريخ.
وأما الشرائع فقد اختلفت اختلافا واسعا بحسب أحوال الأقوام الذين أرسل إليهم الرسل واحتياجاتهم، حتى جاءت الشريعة المكتملة مع الرسالة الأخيرة، التي نزلت للبشرية كافة، وللزمن المقبل كله من لدن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، واكتمل معها منهج الحياة الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن تسير عليه البشرية إلى يوم القيامة.
ولحكمةٍ أرسل الله الرسل، وأنزل معهم البينات:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [5] .
تلك هي حكمة إرسال الرسل إلى البشرية .."ليقوم الناس بالقسط". وأداة تحقيق القسط في واقع الناس هي الكتاب والميزان؛ والرسول هو المبلغ والمبيّن والشارح والمعلم والقدوة الذي يعلم الناس كيف يقيمون حياتهم بالقسط:
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [6] .
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [7] .
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يتركهم بلا هداية لكي لا يضلوا، ويطغى بعضهم على بعض فيختل الميزان ويضيع القسط.
والخلل في حياة الناس يمكن أن يأتي من داخل النفس أو من خارجها.
فأما من داخل النفس فقد اقتضت مشيئة الله - وقد خلق الإنسان ليعبده، وخلقه ليبتليه - أن يجعل مادة الابتلاء - بمعنى الاختبار - هي متاع الحياة الدنيا، والشهوات المربكة في كيان الإنسان تجاه ذلك المتاع:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [8] .
(إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [9] .
(1) سورة آل عمران [19] .
(2) سورة المائدة [3] .
(3) سورة الصف [9] .
(4) انظر إن شئت كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة".
(5) سورة الحديد [25] .
(6) سورة النحل [44] .
(7) سورة الأحزاب [21] .
(8) سورة الذاريات [56] .
(9) سورة الإنسان [2] .