الصفحة 14 من 59

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [1] .

والابتلاء الذي يتعرض له الإنسان بشأن متاع الحياة الدنيا هو الأسلوب الذي يتناول به ذلك المتاع، والقدر الذي يتناوله منه، والحدود التي يقف عندها أو يصل إليها. بعبارة أخرى هل يلتزم في تناوله لذلك المتاع بما أنزل الله، فيلتزم بالحلال الذي أحله الله والذي يعلم أن الخير متحقق به، ويمتنع عن الحرام الذي حرمه الله، ويعلم سبحانه أن الشر متحقق فيه، أم تجرفه شهواته فيتجاوز حدود الله ويقع في المحظور .. ؟

أما من خارج النفس فهناك غواية الشيطان الذي أخذ على عاتقه غواية بني آدم ليعصوا الله ويتجاوزوا حدوده:

(قالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [2] .

والأداة التي يستخدمها الشيطان في الغواية هي ذلك المتاع، وما ركب في كيان الإنسان تجاهه من شهوات، فينفخ فيها لتشتعل، ليصعب على الإنسان الضبط فينجرف وراء الشهوات.

والابتلاء الذي يتعرض له الإنسان من قبل الشيطان هو ذات الابتلاء: هل يطيع الله ويلتزم بما أنزله من حلال وحرام، وله على ذلك الجنة، أم يطيع الشيطان الذي يؤزه لمعصية الله، وجزاؤه على ذلك النار؟!

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [3] إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [4] .

تلك قصة الإنسان على الأرض .. وذلك مصيره يوم يلقى الله ... ابتلاء في الحياة الدنيا، وجزاء في الآخرة.

ولكن الله لم يترك بادئ ذي بدء الأداة التي تعينه على ضبط ما ركب في كيانه من شهوات:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [5] .

ثم أرسل له الرسل لإيقاظ تلك الأفئدة لكي لا تغفل عن مهمتها، وجعلهم مبشرين ومنذرين ليقوموا بعملية التذكير:

(رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [6] .

)وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [7] .

وبذلك تتلاقى الجوانب كلها، ويرتبط بعضها ببعض ارتباطا محكما، ويختار الإنسان طريقه على بينة من أمره، ويتحمل مسئولية اختياره:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [8] .

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [9] .

وتتضح في ذلك الإطار مهمة الرسل في حياة البشرية، ومهمة الدين في حياة الإنسان ..

لا غنى للإنسان عن الدين ..

(1) سورة آل عمران [14] .

(2) سورة الأعراف [14 - 17] .

(3) العبادة هنا معناها الطاعة والاتباع.

(4) سورة يس [60 - 61] .

(5) سورة النحل [78] .

(6) سورة النساء [165] .

(7) سورة الذاريات [55] .

(8) سورة الشمس [7 - 10] .

(9) سورة الزلزلة [7 - 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت