الصفحة 15 من 59

فإذا كان الإنسان قد خلق لعبادة الله، فالدين هو الذي يبين له الطريق الصحيح لعبادة الله، وإذا كان قد خلق في الوقت ذاته للابتلاء فالدين هو الذي يبين له الطريق الصحيح للنجاح في الابتلاء.

ثم إن الإنسان عابد بفطرته، سواء استقامت فطرته على الأصل الذي فطرها الله عليه أم انحرفت لسبب من الأسباب:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [1] .

"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين .." [2] .

ومن ثم فليس له في العبادة إلا إحدى حالتين: إما أن يكون عابدا لله، وإما أن يكون عابدًا لغير الله، وحين يكون عابدًا لغير الله فإنه يكون عابدًا للشيطان، ذلك أنه لا توجد إلا هاتان العبادتان فحسب، وإن كانت لعبادة الشيطان سبل مختلفة وأسماء مختلفة، ورايات مختلفة، ولعبادة الله صراط واحد مستقيم:

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [3] .

وحين يعبد الإنسان الله يكون"في أحسن تقويم"وحين يعبد الشيطان يكون في"أسفل سافلين"، ومهمة الدين في حياة الإنسان أن يرفعه دائما ليكون في أحسن تقويم، ويمنعه أن يسقط أسفل سافلين ..

إذا عرفنا مهمة الدين في حياة الإنسان فلزم أن نعرف في الوقت ذاته ما هو"الدين"!

وقد يبدو السؤال من البداهة بحيث لا يحتاج أن نسأله ولا يحتاج أن نجيب عليه!

ومع ذلك فتحديد معنى الدين قد أصبح - بسبب العلمانية المنتشرة في الأرض ولأسباب أخرى - قضية ذات أبعاد خطيرة .. قضية تعقد من أجلها الندوات، وتؤلف الكتب، وتلقى المحاضرات .. ويدخل قوم من أجلها السجون، وتعلق المشانق ويستشهد الشهداء!

لا جرم أنها القضية الكبرى في الوجود ...

من أسباب الغبش الذي يغشّي قضية الدين تلك الغربة التي يعيش فيها الإسلام اليوم:

"بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء" [4] .

ومن أسبابها ثقل"الأمر الواقع"على حس الناس، وهو أمر واقع بعيد عن الصورة الحقيقية للإسلام.

ومن أسبابها بروز المعنى الذي فهمته أوربا من الدين - بسبب غلبة أوربا اليوم على الأرض - ومفاده أن الدين علاقة بين العبد والرب، محله القلب ولا شأن له بواقع الحياة! على أساس أن الدين لله والآخرة، والواقع"لقيصر"يصرّفه كيف يشاء!

فإذا أضيفت إلى ذلك الفكرُ العلمانيُ [5] الذي يسود الأرض اليوم، والذي يفصل الدين عن السياسة، ويعزله عن الهيمنة على أمور الناس"الحياتية"فقد وصل الغبش إلى قمته، وأصبح الأمر في حاجة إلى البيان الشديد!

مرجعنا في أمور الحياة كلها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:

(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [6] .

(1) سورة الأعراف [172] .

(2) أخرجه مسلم.

(3) سورة الأنعام [153] .

(4) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي.

(5) يلاحظ أن"العلمانية"بمعنى فصل الدين عن الدولة، قديمة في الفكر الكنسي الذي قال:"أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله"! ولكن الكنيسة في أيام سطوتها فرضت سلطانها على قيصر لا لتلزمه بالحكم بما أنزل الله، بل لتلزمه بأهوائها. أي إنها فرضت سلطانها هي ولم تفرض سلطان الشريعة. وهذا الذي جاءت العلمانية الحديثة لتقضي عليه، وهو على وجه التحديد: فصل الدولة عن نفوذ رجال الدين!

(6) سورة الشورى [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت